غدر الحكومة.. مواطنون يفاجئون بإلغاء عقود تملك أراضيهم بعد سداد الأقساط

مأساة كبرى يعيشها آلاف المواطنين الذين وقعوا عقود لشراء أراضي من أملاك الدولة، بهدف تقنين أوضاعهم، ومنح الدولة حقها، لكن الحكومة غدرت بهم وأوقفت عقودهم بعد سداد عدة أقساط، وتهددهم بإجراءات قانونية إذا لم يحولوا عقود البيع النافذة إلى عقود إيجار بأسعار خيالية.

إخطارات بإلغاء العقود

في تطور لافت، فوجئ مئات المواطنين بمحافظة أسيوط، في نهاية مارس 2026، بإخطارات رسمية صادرة عن إدارة أملاك الدولة الخاصة التابعة لهيئة الإصلاح الزراعي، تفيد بإلغاء عقود بيع تم تحريرها بعد 24 أكتوبر 2024، رغم قيام أصحابها بسداد الأقساط المستحقة وفق الجداول المحددة.

وبحسب نص الإخطارات، فقد تقرر تحويل هذه التعاقدات إلى عقود إيجار سنوية، مع مطالبة المواطنين بسرعة التوجه إلى مقر الإدارة لتحرير عقود جديدة، مرفقة بتحذيرات صريحة من اتخاذ إجراءات قانونية في حال عدم الامتثال، في خطوة تعكس تحولاً مفاجئاً في طبيعة هذه التعاقدات.

واستندت هذه القرارات إلى تعليمات صادرة عن الأمانة الفنية للجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة، بالإضافة إلى قرار محافظ أسيوط رقم 405 لسنة 2026، ما يعكس أن الإلغاء لم يكن إجراءً فردياً، بل يأتي ضمن توجه إداري أوسع.

ولم تظل الأزمة حبيسة أسيوط، بل امتدت إلى محافظة الإسماعيلية، حيث تداول مواطنون مقطع فيديو يوثق استغاثة جماعية لأهالي منطقة العبور – حي ثانٍ، احتجاجاً على الارتفاع الكبير في أسعار التقنين، والتي وصلت إلى نحو 1650 جنيهاً للمتر الواحد.

وطالب الأهالي الجهات المعنية باحترام العقود التي أبرمتها الدولة، ومراعاة الظروف الاقتصادية، مؤكدين أن هذه الأسعار تفوق قدراتهم المالية، خاصة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، ما يهدد بعزوف عدد كبير من المواطنين عن استكمال إجراءات التقنين، وتوفيق أوضاع وضع اليد.

أزمة جديدة، ومشهد يعكس تخبط الحكومة، وإصدارها قرارات متضاربة تجمع بين رفع الأسعار وإلغاء عقود التقنين التي تم تحريرها بالفعل بعد استيفاء إجراءاتها وسداد أقساطها، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول استقرار السياسات الحكومية في هذا الملف الحيوي، ومدى انعكاس هذه التغيرات على أوضاع المواطنين الساعين لتوفيق أوضاعهم القانونية.

تعطيل سداد الأقساط

وفي سياق متصل، برزت شكاوى تتعلق بتعطيل سداد الأقساط، حيث قال المواطن دويني عليان عبر “فيسبوك”: “السادة المسؤولون رفضوا استلام الأقساط المستحقة من المواطنين”.

وتابع:”الناس الغلابة بتجمع القسط بالعافية كل سنة، وعند السؤال عن السبب يقولون: تعليمات من فوق. يعني كده التقنين لو مرّت المدة المحددة لدفع الأقساط دون استلامها من المواطنين في الفترة المحددة، سيتم إلغاء التقنين، وتضيع الأقساط المدفوعة من قبل، ونرجع لدائرة التقنين من جديد، وما أدراك ما دائرة التقديم”.

وفي السياق ذاته، قال أبو منصور المرواني: “هو فيه قرار شخصي يلغي قرار دولة؟ والناس اللي كاتبة عقود مع الدولة إزاي تتلغى؟ فين مصداقية الدولة واحترام القانون والدستور؟ يعني الناس تدفع الفلوس ويقولوا العقود اتلغت؟”.

وتأتي هذه الشكاوى في ظل غياب توضيحات رسمية بشأن هذه الإجراءات، ولم تصدر الجهات المعنية أي رد حتى وقت نشر التقرير.

قرارات تنظيمية تقيد التمليك

تعود جذور هذه الأزمة إلى قرارات سابقة اتخذتها اللجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة، حيث أعلنت في 16 يوليو 2025 وقف تحرير أي عقود تمليك لأراضي الإصلاح الزراعي بعد 24 أكتوبر 2024.

وأكدت اللجنة أن جميع التصرفات في هذه الأراضي ستقتصر على نظام الإيجار السنوي، وفقاً لسعر السوق الذي تحدده لجان التثمين المختصة، مع إمكانية التجديد، وذلك في إطار توجه حكومي لإحكام السيطرة على أراضي الدولة ومنع التعديات.

وشددت اللجنة على ضرورة تحفّظ الجهات المحلية على الأراضي المستردة، ومنع إعادة التعدي عليها، مع إحالة أي مسؤول يثبت تقصيره في حماية هذه الأراضي إلى جهات التحقيق.

قانون جديد بصلاحيات واسعة

في موازاة ذلك، صدّق رئيس الجمهورية على القانون رقم 168 لسنة 2025، الذي أقره مجلس النواب، ليحل محل قانون 144 لسنة 2017، وينظم قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة.

ومنح القانون الدولة حق التصرف في ممتلكاتها الخاصة بشكل مماثل للأفراد، مع إتاحة تقنين أوضاع واضعي اليد مقابل سداد الرسوم المقررة، شريطة استيفاء الاشتراطات.

كما منح القانون صلاحيات واسعة للمحافظين، تشمل إدارة ملف التقنين، والتصرف في الأراضي الواقعة ضمن ولاياتهم، بل وإبرام عقود إيجار أو حق انتفاع مؤقت في حال تأخر البت في طلبات التقنين.

ونص القانون صراحة على أن تقديم طلب التقنين لا يترتب عليه أي حقوق قانونية للمواطن، ولا يلزم الجهة الإدارية بالموافقة، ما يفتح المجال لتغيير القرارات أو إلغاء الطلبات وفقًا لتقدير الجهات المختصة.

شروط مالية وعقوبات مشددة

فرض القانون عدداً من الالتزامات المالية، أبرزها سداد كامل قيمة الأرض قبل إتمام أي تصرف نهائي، إلى جانب رسوم فحص تصل إلى 10 آلاف جنيه، دون أن يضمن ذلك الموافقة على الطلب.

ونص القانون على تحصيل مقابل انتفاع في حال عدم تقنين الوضع، يصل إلى 100 جنيه للمتر سنوياً للأراضي المبنية، و20 ألف جنيه للفدان الزراعي، مع زيادة سنوية بنسبة 5%.

وفيما يتعلق بالعقوبات، شدد القانون على فرض غرامات تتراوح بين 250 ألف ومليون جنيه على المخالفين، مع إلزامهم برد الأرض أو إزالة التعديات على نفقتهم، فضلًا عن مضاعفة العقوبة في حال تكرار المخالفة.

أرقام تعكس فجوة التنفيذ

رغم هذا الإطار القانوني والتنظيمي، تكشف الأرقام عن فجوة واضحة بين حجم الطلبات ومعدلات الإنجاز، فقد استقبلت المنصة الوطنية لتقنين أراضي الدولة، منذ إطلاقها في يناير 2026 وحتى نهاية مارس، أكثر من 103 آلاف طلب.

وفي المقابل، تشير بيانات سابقة إلى تلقي نحو 2.8 مليون طلب تصالح في مخالفات البناء بين عامي 2019 و2023، لم يُبت سوى في نحو 180 ألف طلب منها، ما يعكس بطء الإجراءات وتعقيدها.

وأشار تقرير رسمي لوزارة التنمية المحلية، في مارس 2026، إلى الانتهاء من تحرير عدد من عقود التقنين في محافظات مثل الجيزة والمنوفية والإسكندرية، إلا أن هذه الحالات تظل محدودة مقارنة بإجمالي الطلبات، ما يضع ألاف المواطنين الراغبين في توفيق أوضاعهم في مهب الريح.

تحرك برلماني ومطالب بالمراجعة

على وقع هذه التطورات، شهد مجلس النواب أول تحرك رقابي، حيث تقدم النائب علي سيد علي معوض بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء المالية والتنمية المحلية والزراعة، بشأن ارتفاع أسعار تقنين الأراضي الزراعية وأراضي أملاك الدولة المباني.

وقال النائب إن هناك أعداداً كبيرة من المواطنين ترغب في تقنين أوضاعها، إلا أن ارتفاع الأسعار المحددة، إلى جانب تفاوتها بين الجهات المختلفة، أدى إلى الانتهاء من عدد محدود فقط من الحالات المتقدمة.

وأوضح “معوض” في طلب الإحاطة أن هناك حالات أخرى سبق أن تسلمت عقود التقنين، لكنها فوجئت بإبلاغها بإلغاء هذه العقود.

أضف تعليقك
شارك