في مشهد يتكرر على فترات متقاربة، عادت قضية ذبح الحمير والاتجار في جلودها لتتصدر الاهتمام، بعدما كشفت وقائع حديثة عن أبعاد تتجاوز المخالفات الفردية، لتصل إلى ارتباطات بسوق دولية مزدهرة، وسط تساؤلات متزايدة حول كفاءة الرقابة، ومدى قدرتها على مواكبة هذا النشاط، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بسلامة الغذاء وتأثيرات الظاهرة على الثروة الحيوانية والبيئة.
ضبطيات حديثة تثير القلق
في منتصف مارس 2026، تمكنت مباحث التموين، بالتنسيق مع الجهات التنفيذية المختصة، من ضبط مواطن بقرية كفر عبد الخالق التابعة لمركز العدوة بمحافظة المنيا، وبحوزته 180 جلد حمار مملحة، إلى جانب نحو 60 حماراً داخل حظيرته قبل ذبحها.
ووفقاً لمحضر الضبط الذي اطلعت عليه “أحوال مصرية”، عثرت الحملة على 3 هياكل عظمية لحمير مذبوحة، دون التمكن من تحديد مصير اللحوم الناتجة عن عمليات الذبح، وهو ما يثير تساؤلات حول مسارات تداول هذه اللحوم قبل ضبط الواقعة.
وأوصت الجهات المختصة بإعدام الجلود المضبوطة، مع إحالة المتهم إلى جهات التحقيق.
ووجهت النيابة العامة للمتهم اتهامات بذبح حيوانات غير مخصصة للاستهلاك الآدمي، بالمخالفة للقرار الوزاري رقم 517 لسنة 1986، إلى جانب مخالفات لقانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966.
وقائع متكررة
لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الأخيرة وقائع مشابهة. ففي أكتوبر 2023، تم ضبط مواطن بقرية بلاي التابعة لمركز السنطة بمحافظة الغربية، أثناء ذبحه حميراً داخل أرض زراعية، في محاولة لاستخدام لحومها بشكل غير قانوني.
وتمكنت الأجهزة الأمنية، في 30 أكتوبر 2025، في ضبط شخصين بدائرة مركز السنطة، لقيامهما بسلخ جلود حمير نافقة بغرض بيعها، والتخلص من اللحوم بإلقائها في مجرى مائي.
وتعكس هذه الوقائع المتكررة، رغم ضبط عدد منها، تحديات مستمرة في إحكام الرقابة على هذا النوع من الأنشطة غير القانونية.
مخاوف من تسرب اللحوم
في هذا السياق، قال نقيب الفلاحين حسين أبو صدام إن بعض “ضعاف النفوس” يلجأون إلى ذبح الحمير بهدف تصدير جلودها، مشيراً إلى وجود مخاوف من احتمال تسرب لحومها إلى بعض المطاعم.
وأوضح حسين أبو صدام أن أعداد الحمير في مصر تراجعت من نحو 3 ملايين رأس خلال تسعينيات القرن الماضي إلى أقل من مليون حالياً، نتيجة ارتفاع تكاليف التربية وزيادة الطلب على الجلود، التي قد يصل سعرها إلى 300 دولار، وأحياناً 600 دولار للجلد الواحد.
وأضاف حسين أبو صدام: “لن ندفن رؤوسنا في الرمال، ومن الوارد تسرب بعض لحوم الحمير إلى بعض المطاعم”، مطالباً بفرض رقابة صارمة على عمليات الذبح، خاصة أن استهلاكها محرم شرعاً.
وأشار حسين أبو صدام إلى أن الإقبال العالمي على جلود الحمير، خاصة من الخارج، يعود لاستخدامها في صناعات دوائية ومنتجات مرتفعة الثمن، ما ساهم في ارتفاع أسعار الحمير محلياً لتتراوح بين 6 و15 ألف جنيه، مقارنة بـ2 إلى 3 آلاف جنيه قبل نحو عقد.
ومن جانبه، كشف الدكتور بركات محمد، رئيس الإدارة المركزية للخدمات والإرشاد بالهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن أحدث حصر فعلي في عام 2024 يشير إلى أن عدد الحمير في مصر بلغ 632 ألفاً و892 رأساً فقط، وفق بيانات وزارة الزراعة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو ما يعكس تراجعاً لافتًا في أعدادها.
طلب عالمي يقود السوق
لا يقتصر الأمر على السوق المحلية، إذ تلعب الأسواق الدولية دوراً رئيسياً في تنامي هذه التجارة.
إذ تشير تقارير منظمة “بروك” الدولية إلى أن الصين تُعد أكبر مستورد لجلود الحمير في العالم، حيث تدخل في تصنيع مادة “إيجياو”، وهي مادة جيلاتينية تُستخرج من غلي الجلود، وكانت تُستخدم في الطب الشعبي الصيني، قبل أن تتوسع استخداماتها لتشمل مستحضرات التجميل وبعض المنتجات الغذائية.
وبحسب تقرير منظمة Humane World for Animals، وهي مؤسسة غير ربحية مقرها واشنطن، ارتفعت أسعار جلود الحمير بشكل كبير خلال العقد الأخير، إذ قفز سعر الكيلو من نحو 20 يواناً في عام 2000 إلى نحو 2600 يوان في 2015.
كما ارتفعت أسعار منتجات “إيجياو” خلال الفترة نفسها من 100 يوان لكل 500 جرام إلى نحو 2986 يوان (ما يعادل نحو 420 دولارًا).
ووفقاً لتقرير وكالة “رويترز”، فإن سعر جلد الحمار يفوق بأضعاف سعر الحمار نفسه، حيث يتراوح سعر الجلد الواحد بين 400 و420 دولاراً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 1000 دولار.
تجارة مشروعة.. وثغرات في التطبيق
في المقابل، أكد عبدالرحمن الجباس، نائب رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، أن تصدير جلود الحمير يُعد نشاطاً مشروعاً في مصر، لكنه يتم في إطار حصة سنوية محددة تبلغ 8 آلاف جلد، وفق ضوابط أقرتها وزارات الزراعة والصناعة والتجارة.
وأوضح عبدالرحمن الجباس أن عدد المصدرين المعتمدين يتراوح بين 6 و10 مصدرين فقط، يحصلون على تصاريح رسمية وفق تعاقداتهم، مع فرض رسوم تصدير محددة.
وحذر عبدالرحمن الجباس من بعض الممارسات الفردية، حيث قد يستغل بعض الحاصلين على تصاريح رسمية هذه الموافقات لتهريب كميات أكبر من المسموح بها، مستفيدين من ثغرات رقابية في بعض المنافذ.
وأشار عبدالرحمن الجباس إلى أن غياب منظومة دقيقة لحصر وتسجيل الحمير يزيد من صعوبة تتبعها، ويفتح الباب أمام التلاعب.
بدوره، وصف سعد عرابي، أحد تجار الجلود المعتمدين، سوق جلود الحمير بأنه “واعد”، ويمكن أن يتحول إلى مشروع استثماري ضخم يدر مليارات الدولارات سنويًا إذا جرى تنظيمه بشكل كامل.
لكنه أقرّ سعد عرابي بوجود ممارسات غير قانونية، حيث يلجأ بعض التجار إلى شراء حمير كبيرة السن أو مريضة بأسعار منخفضة، ثم ذبحها عشوائياً للحصول على الجلود، مع التخلص من اللحوم بإلقائها في الترع والمصارف.
مخاطر بيئية وصحية
في السياق ذاته، حذر الدكتور شهاب عبدالحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة، من أن التخلص العشوائي من جثث الحمير يؤدي إلى تلوث بيئي خطير نتيجة تحللها وانتشار الروائح الكريهة والأمراض.
وأكد شهاب عبدالحميد أن هذه “التكاليف الخفية” لا تؤخذ في الاعتبار ضمن حسابات الربح، رغم تأثيرها الكبير على الصحة العامة والبيئة، مشيراً إلى خطورة تسرب اللحوم إلى الأسواق بشكل غير مشروع.
القانون واضح.. والتنفيذ محل تساؤل
يحظر القانون المصري ذبح الحمير للاستهلاك الآدمي، وفق قرار وزير الزراعة رقم 517 لسنة 1986، الذي يقصر الذبح على أنواع محددة من الحيوانات داخل المجازر الرسمية.
كما تنص القوانين على عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، بينما يُعد بيع لحوم الحمير جريمة غش تجاري قد تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات.
وفي الوقت نفسه، تسمح الدولة بتصدير الجلود وفق ضوابط محددة، وفق قرار وزارة التجارة والصناعة رقم 692 لسنة 2012.
ورغم وضوح الإطار القانوني، فإن تكرار الوقائع، التي رُصدت في أكثر من محافظة، يشير إلى استمرار تحديات في التطبيق العملي، خاصة في ما يتعلق بإحكام الرقابة وتتبع مصادر الذبح غير الرسمي.
دول إفريقية تتحرك للحد من الظاهرة
في سبيل مواجهة تراجع أعداد الحمير، اتخذت عدة دول إفريقية إجراءات مختلفة. ففي تنزانيا، تم حظر ذبح الحمير حتى استعادة أعدادها، بعد انخفاضها من نحو 1.5 مليون في 2016 إلى نحو 595 ألفًا في 2018.
وفي كينيا، ورغم رفع المحكمة العليا الحظر على ذبح الحمير في 2021، لم يتم استئناف النشاط، بعدما جمدت وزارة الزراعة إصدار تراخيص المسالخ استجابة لمخاوف المجتمعات المحلية، في ظل تراجع الأعداد إلى أقل من مليون، مقارنة بنحو 1.8 مليون قبل عقد.
وبين الطلب العالمي المتزايد والثغرات التي لا تزال قائمة في منظومة الرقابة، تظل تجارة جلود الحمير ملفاً معقداً تتداخل فيه العوامل الاقتصادية مع الصحية والبيئية.