عشرات آلاف الموظفين يواجهون مصيرًا مجهولًا.. إلغاء وزارة قطاع الأعمال يضع 146 شركة تحت المجهر

بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، يواجه أكثر من 103 آلاف موظف وعامل حالة من الترقب بشأن مستقبلهم الوظيفي، في ظل مرحلة انتقالية لم تتضح ملامحها الكاملة بعد

القرار الجمهوري رقم 75 لسنة 2026، الصادر في 12 فبراير الجاري، نصّ في مادته الرابعة على إلغاء الوزارة التي كانت تشرف على شركات قطاع الأعمال العام، مع تكليف رئيس مجلس الوزراء بإصدار القرارات اللازمة بشأن الآثار المترتبة على ذلك، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية محمد الشناوي.

وبين صدور القرار وترقب الإجراءات التنفيذية، تتجه الأنظار إلى مصير 146 شركة كانت خاضعة لإشراف الوزارة، وما يقرب من 103 آلاف و839 موظفًا يعملون بها.

رؤية قديمة

وفي أول مؤتمر صحفي للحكومة بتشكيلها الجديد في اليوم نفسه، قال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إن قرار إلغاء الوزارة يأتي في إطار رؤية طُرحت منذ سنوات، تقوم على أن دورها كان انتقالياً بطبيعته وليس دائماً.

وأوضح أنه عند تكليف وزير قطاع الأعمال السابق، أبلغه بأن الوزارة قد تكون في مراحلها الأخيرة، باعتبار أن الهدف كان إعادة تنظيم القطاع تمهيداً لمرحلة جديدة.

وأشار إلى أن الوزارة كانت تشرف على ست شركات قابضة يتبعها نحو 60 شركة، وأن الإشراف على هذه الشركات أصبح حالياً من اختصاص نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وذلك في إطار مرحلة انتقالية لحين الانتهاء من وضع التصور النهائي لإدارتها.

وشدد رئيس الوزراء على أن ما يُثار بشأن تصفية الشركات أو المساس بالعمالة “غير مطروح على الإطلاق”، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، والتي تتجاوز قيمتها تريليون جنيه، بما يحقق أفضل عائد ممكن.

وأضاف أن الحكومة أنفقت أكثر من 60 مليار جنيه على تطوير شركات الغزل والنسيج، وهو ما يستوجب تحريك الأصول بكفاءة أكبر وضمان تحقيق عائد مناسب من الاستثمارات التي ضُخت فيها.

الأصول والسيناريوهات المطروحة

وكشف مدبولي عن وجود أكثر من سيناريو قيد الدراسة، من بينها نقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي، على غرار ما جرى في الشركة القابضة للتأمين التي شهدت تحسناً ملحوظاً في الأداء والإيرادات، أو إسناد بعض الشركات إلى الوزارات المتخصصة وفقاً لطبيعة نشاطها.

وأكد أن الهدف هو تطبيق إطار حوكمة أكثر فاعلية، على أن يعرض نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية تصوراً متكاملاً خلال فترة قريبة تمهيداً لإعلانه رسمياً.

وفي المقابل، رأى الخبير الاقتصادي والرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، مدحت نافع، أن تجربة إدارة الشركات المملوكة للدولة مرت بعدة سيناريوهات خلال العقود الماضية دون تحقيق النتائج المرجوة، مشيراً إلى أن وزارة قطاع الأعمال لم تحقق الهدف الأساسي لقانون 203 لسنة 1991، وأن ارتباط الشركات بالجهاز الحكومي أضاف أعباء تمويلية وسياسية.

وأوضح أن الشركات المتبقية تشمل ست شركات قابضة تضم 146 شركة تابعة، منها 63 شركة مملوكة بالكامل، والباقي شركات مشتركة تقل نسبة ملكية الدولة فيها عن 50%.

ولفت إلى أن الطرح الحالي يتضمن تحويل هذه الكيانات تدريجياً إلى شركات عادية وفق قانون 159، وربما إلغاء قانون 203 الاستثنائي، مع منحها مهلة لتوفيق أوضاعها وتحويلها إلى شركات قابلة للتداول والاستثمار.

وأضاف أن بعض الشركات قد تُنقل إلى الصندوق السيادي للتحول إلى آليات أقرب للقطاع الخاص، بينما قد يُطرح بعضها في البورصة، وتُسند شركات أخرى إلى جهات متخصصة لإعادة هيكلتها، مؤكداً أن نجاح هذه الإجراءات مرهون بتوفير الكفاءات الإدارية والرقابة الفعالة من خلال مجالس الإدارة والجهاز المركزي للمحاسبات.

من جهته، وصف الخبير الاقتصادي وليد جاب الله ملف الشركات المملوكة للدولة بأنه “معقد ومتداخل”، مشيراً إلى أن إنشاء وزارة قطاع الأعمال لم يحقق النتائج المرجوة رغم تغيير وزرائها أكثر من مرة، وأن الإيرادات المحققة ما زالت محدودة مقارنة برأس المال المستثمر.

خريطة العمالة بالأرقام

وفيما يتعلق بالعمالة، كان وزير قطاع الأعمال العام قد صرّح أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ في أبريل 2025 بأن إجمالي عدد العاملين في شركات قطاع الأعمال يبلغ 103 آلاف و839 موظفاً موزعين على 68 شركة، يمثل الفنيون منهم نحو 65% والإداريون 35%.

وأوضح أن نحو 42 ألف عامل تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً، مشيراً إلى أن ذلك يعكس ارتفاع متوسط الأعمار داخل الشركات، ما يستدعي إدخال عمالة جديدة.

كما ذكر أن 22 ألف عامل تقل أعمارهم عن 40 عاماً، وأن 37 ألفاً مؤهلهم أقل من المتوسط، و43 ألفاً مؤهل متوسط، و18 ألفًا مؤهل عالٍ.

جدل الشارع وتحرك البرلمان

ومع صدور قرار الإلغاء، تباينت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال المواطن أحمد علي: “يا ترى هتروح فين الشركات الرابحة بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال؟! ولا هتتباع ودخلها هيدخل في الثقب الأسود لا رقابة ولا محاسبة”.

واعتبر المواطن محمد بدوي أن إلغاء الوزارة التي تدير أكبر محفظة من الشركات المملوكة للدولة، يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الشركة القابضة لمصر للطيران ونقل تبعيتها، وما إذا كانت ستؤول إلى وزارة الطيران أو مجلس الوزراء، وماذا يعني نقلها إلى الصندوق السيادي، وهل يطبق عليها قانون الخدمة المدنية وما يترتب على ذلك”.

وكتب المواطن إبراهيم نوار منتقداً القرار، معتبراً أن الحكومة ألغت الوزارة قبل إعداد خطة نهائية للتصرف في 59 شركة قابضة تابعة لها، واصفاً الأمر بأنه “تخبط وخسائر بالمليارات”، مشيراً إلى أن تصريحات رئيس الوزراء حول احتمالات نقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي أو إلحاقها بالوزارات القطاعية.

كما اعتبر أن تعدد المهام المسندة لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يمثل “وصفة فشل قبل البداية”.

بدوره، عبّر المواطن مصطفى الطوبجي عن قلقه من غياب الرؤية المسبقة، متسائلاً عن مصير الشركات ومئات الآلاف من العمال وأصول الدولة.

وأشار إلى أن توجهات اقتصادية يراها تميل إلى تقليص دور الدولة ونقل الأصول إلى الصندوق السيادي.

وحذر المواطن طارق خلف من نقل 40 شركة إلى الصندوق السيادي و20 شركة إلى البورصة قبل إعادة تأهيلها، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل قيمتها ويمثل “كارثة اقتصادية” إذا كان الهدف بيعها لسداد الديون.

وامتد الجدل إلى البرلمان، حيث تقدم عدد من النواب ببيانات عاجلة وطلبات إحاطة بشأن الآثار المترتبة على إلغاء الوزارة، مطالبين بتوضيح الإطار القانوني والإداري الذي سيحكم إدارة نحو 146 شركة تمثل قرابة 26% من محفظة الشركات المملوكة للدولة.

وتقدم النائب أحمد البرلسي ببيان عاجل بشأن الآثار المترتبة على إلغاء الوزارة، محذراً من حالة الغموض التي تحيط بمستقبل الشركات والعاملين بها، ومطالباً برؤية وطنية واضحة تضمن حماية حقوق العمال وتعظيم القيمة المضافة ودعم الإنتاج المحلي.

فيما تقدم النائب أحمد جبيلي بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، متسائلاً عن الإطار القانوني والإداري الذي سيحكم إدارة نحو 146 شركة كانت تخضع لإشراف الوزارة، وتمثل قرابة 26% من محفظة الشركات المملوكة للدولة.

وأشار “جبيلي” إلى أن البيانات الرسمية للعام المالي 2024/2025 أظهرت تحقيق إيرادات بنحو 126 مليار جنيه بنسبة نمو تقارب 20%، وصافي ربح مجمع بنحو 24 مليار جنيه، وارتفاع الصادرات بنسبة 27% لتصل إلى نحو مليار دولار، وتحسن القيمة السوقية للشركات المدرجة بالبورصة بنحو 36%، مطالباً بخطة واضحة وجدول زمني محدد.

من جانبه، أكد النائب المستشار طاهر الخولي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن إلغاء الوزارة خطوة بالغة الحساسية، تتطلب شفافية كاملة بشأن إدارة أصول الدولة ومستقبل العاملين بها.

وشدد على ضرورة تحديد الجهة المسؤولة بشكل واضح، وإعلان خطة للتعامل مع العمالة في حال إعادة الهيكلة، سواء عبر برامج إعادة التأهيل أو التعويض العادل، مؤكداً أن  مجلس النواب سيضطلع بدوره الرقابي كاملاً.

وبين تطمينات رسمية تؤكد أن الهدف هو تعظيم الأصول وتحسين الحوكمة، وتساؤلات شعبية وبرلمانية بشأن مسار التنفيذ وضمانات العمالة، تبقى المرحلة الانتقالية مرهونة بالتفاصيل التي ستُعلن في الفترة المقبلة.


 

أضف تعليقك
شارك