تصاعد جرائم قـ ـتـ ل الزوجات يصل لمستويات “مرعبة”.. أسباب اقتصادية واجتماعية تتقاطع مع غياب الحماية الحكومية

لم تكن كريمة، ابنة العشرين، تتخيل أن الأشهر الأربعة التي تلت زواجها ستكون معركتها الأخيرة في الحياة.

كانت حاملاً في شهرها الرابع، تتنقل بين آلام الحمل ومطالب البيت الجديد، محاولة إرضاء زوجها وأسرته الذين لم يتركوا لها لحظة هدوء، وفق ما ترويه والدتها بصوت مختنق: “كانت صابرة رغم الظلم الذي تتعرض له، وتحاول الحفاظ على بيتها”.

لكن في مساء السادس من ديسمبر، تحولت غرفة النوم الصغيرة في منزل الأسرة بقرية “ميت برة” التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفية إلى ساحة موت، بل إلى مسرح جـ ريمة. إذ سمع الجيران صرخة مكتومة، ثم صوت ارتطام، ثم صمت طويل.. صمت يقول كل شيء.

وخلال هذه اللحظات، تقول الأم، حاولت كريمة الإفلات، لكن زوجها أيمن (25 عاماً) كان قد أحكم قبضته على رقبتها، غير عابئ بجنين يتحرك داخل رحمها.

وحين وصلت الشرطة، حاول الدفاع عن نفسه قائلاً: “مقصدتش.. الخناقة كبرت”.
لكن التقارير الطبية قالت شيئًا آخر: كدمات عنيفة، وآثار مقاومة، ونزيف أدى إلى توقف مفاجئ في الدورة الدموية.

أما الجيران، فحكوا أنهم لم يستغربوا النهاية؛ إذ كان الزوج يهددها دائماً بإلقائها من نافذة الشقة، ويمنعها من زيارة أهلها، ويشتمها أمام المارة، بينما كانت تتحمل ربما خوفاً، ربما حباً، أو ربما لأنها لم تجد من يساندها.

تلك الرواية.. وإلى أين تقود؟

تلك الرواية التي يتحمل الزوج جانبها المباشر، وتتحمل الحكومة جانبها غير المباشر في ظل غلاء فاحش – تتحدث عنه تقارير اقتصادية دولية- يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، تثير تساؤلات يطرحها مغردون: إذا أُدين الزوج قانونياً بجريمته التي تفصل فيها النيابة والقضاء، فهل ستُدان الحكومة أيضاً وتُحاسب على الفقر الضاغط على شرائح واسعة من المجتمع؟

وقائع كارثية

قبل الإجابة على هذا السؤال، تسرد “أحوال مصرية” العديد من تلك القصص المأساوية لزوجات قُتـ ـلن ببشاعة في الفترة الأخيرة بشكل متصاعد ومرعب.

في نوفمبر الماضي، شهدت قرية زنارة التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية جريمة مروعة، بعد إقدام شاب على قتل زوجته ونجله (6 أشهر) ذبحـ اً بسكين.
وكتب على صفحته بـ”فيسبوك” منشوراً مرفقاً بصورة زوجته ورضيعه: “يا جماعة أنا دبـ حت مراتي وابني”. وفي اعترافاته قال المتهم: “أيوه قتـ لتهم علشان الشك كان هيقتـ لني”، بينما كشفت جيرانها أن المجني عليها كانت مثالاً للأخلاق الحميدة وحسنة السمعة بين الأهالي.

وفي الشهر نفسه، شهدت قرية كفر السنابسة بمركز منوف في محافظة المنوفية مقتل سيدة مكافحة على يد زوجها بسبب خلافات زوجية. أكدت والدتها أن زوج ابنتها كان دائم التعدي عليها للحصول على أموالها، إذ كانت تعمل لتربية أبنائها. وذكرت ابنة المجني عليها أنها في يوم المأساة كانت في خلاف مع والدها، وتركت لهما الغرفة لتنام خارجها، ليتفاجأوا صباحًا بأن والدتها لا ترد، ويكتشفوا وفاتها خنـ ـقًا على يد والدها.

وفي أكتوبر الماضي، قام زوج في السويس بقتـ ل زوجته داخل غرفة نومهما عقب مشادة حادة بينهما، ثم قام بتغطيتها بالبطانية وتشغيل جهاز التكييف قبل أن يهرب.

وليس هذا العام فقط هو الذي تتزايد فيه تلك القصص، ففي يوليو 2021، قتـ ل طبيب أسنان زوجته الطبيبة بـ11 طعنة وتركها جثـ ـة أمام أبنائه الثلاثة.

وأعاد مسلسل “سفـ ـاح الجيزة” عام 2023 تسليط الضوء على قذافي فراج عبد العاطي عبد الغني، المعروف إعلامياً بـ”سـ ـفاح الجيزة”، الذي ارتكب أربع جرائم قتـ ل خلال عامي 2015 و2017، بينهم زوجتان، وكُشف أمره بعد خمس سنوات.

وكانت أبشع جـ رائمه قـ تل الزوجة الأولى بعد مشادة حول المصروفات، حيث رطم رأسها في الحائط عدة مرات ووضع جثمانها في “ديب فريزر”، بينما قتـ ل الثانية ودفنها داخل إحدى غرف مخزن.

وفي عام 2022، قُتـ لت الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها القاضي أيمن حجاج خنقاً وسط علامات تعـ ذيب على جسدها، قبل أن تُدفن في مزرعة. وأُعيد الجدل بشأنها بعد أن صارت أجزاء من وقائعها ضمن مسلسل بُث مؤخراً بعنوان “ورد وشوكولاتة”.

زوجة ناجية

لم تتوقف المآسي عند الضحايا اللواتي لقين حتفهن، فهناك أخريات نجون بأعجوبة. من بينهن الزوجة الشابة في مدينة نبروه بالدقهلية، التي تعرّضت للاعتداء بسكين على يد زوجها منتصف هذا العام إثر خلاف أسري تطور إلى محاولة قتـ ل.
تلقت عدة طعنات متفرقة لكنها نجت بعد تدخل الجيران ونقلها إلى المستشفى في حالة خطرة. أثارت الحادثة آنذاك موجة غضب واسعة عبر مواقع التواصل، وطالب الأهالي حينها بتشديد العقوبة في جرائم العنف الأسري قبل أن تتحول إلى جرائم قتـ ل مكتملة كما يحدث في حالات كثيرة.

أرقام مأساوية

هذا جزء من مئات القصص المأساوية التي انتهت بمقتـ ل الزوجة في حوادث بشعة، وسط أسباب يرتبط بعضها بالوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر.

ووفق تقرير حديث صادر عن مؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة” في يوليو 2025، وُثقت 120 جريمة قـ ـتل لنساء على يد الزوج أو أحد أفراد العائلة خلال النصف الأول من عام 2025 وحده.

ويُعد هذا امتداداً لتصاعد بدأ منذ عام 2023، حيث رُصدت 140 جريمة، وارتفع العدد إلى 261 جريمة في عام 2024.

وغالباً ما ترتبط هذه الجرائم بخلافات زوجية تتعلق بالوضع الاقتصادي أو بالشكوك، وفقًا للتقرير الذي يستند إلى بلاغات رسمية وأخبار منشورة، مع الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من الحالات لا يتم توثيقها أو الإبلاغ عنها أساساً.

وفي العام ذاته، رصدت مؤسسة إدراك أكثر من 1,195 جريمة عنـ ف ضد النساء والفتيات في مصر، تنوعت بين القـ تل والشروع فيه والضرب المبرح والاغتـ ـصاب والانتـ حار والابتزاز الإلكتروني وغيرها من الانتهاكات.

ووفقاً للأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره السنوي، فإن حالات الطلاق وصلت إلى 265,606 حالات عام 2023 مقابل 269,834 حالة عام 2022 بنسبة انخفاض قدرها 1.6 بالمائة.

وتشير أحدث بيانات الجهاز إلى أن نحو ثلث النساء المتزوجات في الفئة العمرية بين 15 و49 عاماً تعرّضن لشكل من أشكال العـ نف على يد الزوج – سواء نفسياً أو جسدياً أو جنسـ ياً – وذلك بحسب مسح أُجري عام 2021.

القانون والتشريعات

رغم تصاعد جرائم العنف الأسري وقـ تل الزوجات، لا يزال قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 يعالج هذه الوقائع ضمن مواده العامة المتعلقة بالقتـ ـل والضرب فقط، دون وجود نص قانوني خاص يجرّم العنـ ف الأسري بشكل صريح أو يوفر حماية استباقية للضحايا.
ومع إجراء تعديلات محدودة طالت جرائم مثل ختان الإناث والتحرش، فإن المشرّع لم يقر بعد مشروع القانون الموحّد لمناهضة العنـ ـف ضد المرأة الذي تقدمت به عدة منظمات مجتمع مدني، والذي يُنتظر أن يسد الفجوة التشريعية ويوفّر إطاراً قانونياً لحماية النساء داخل الأسرة.

غياب المعرفة الرسمية

وعلى رغم أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية يُعد الجهة البحثية الرسمية المعنية بدراسة الظواهر الاجتماعية، فإن ما صدر عنه في السنوات الأخيرة يقتصر غالباً على أبحاث عامة حول العنـ ف ضد المرأة والأسرة دون تخصيص لجرائم قـ تل الزوجات بوصفها ظاهرة مستقلة. فبحسب دراسة مشتركة للمركز مع المجلس القومي للمرأة، كشفت النتائج أن ما يقرب من 75% من النساء في مصر تعرّضن لشكل من أشكال العـ نف داخل الأسرة، فيما أظهرت دراسة أخرى أن الخلافات المادية تشكّل نحو 26.8% من مسببات النزاع الزوجي.
ومع ذلك، يشير نواب في البرلمان إلى تراجع دور المركز في دراسة القضايا المستحدثة وتقديم تحليل معمّق لها، ما يخلق فجوة بحثية في فهم العوامل المحددة لجرائم قتل الزوجات وتطورها، ويجعل تقدير حجم المشكلة الحقيقي رهينًا للرصد الإعلامي والمبادرات المدنية أكثر من المؤسسات الرسمية.

موقف حكومي بلا أثر

ومع تنامي القلق المجتمعي، إلا أن الموقف الحكومي لا يزال دون مستوى المشكلة. فوزارة التضامن الاجتماعي تُعيد التأكيد على وجود آليات حماية اجتماعية، لكنها لا تعلن أرقاماً دورية حول البلاغات أو نسب التدخل. أما المجلس القومي للمرأة رغم حملاته المستمرة ومنها مشاركته السنوية في حملة الـ16 يوما لمناهضة العنـ ف ضد المرأة فلا يكشف بانتظام عن نتائج مكاتب الشكاوى أو عدد الحالات التي تلقت دعماً مباشراً.

كما يشير مرصد مصر الوطني للمرأة إلى جهود التوعية والدعم، لكن دون نشر قاعدة بيانات رسمية موحدة توضح اتجاهات العنف الأسري أو أسباب تصاعد جرائم القتـ ل خلال السنوات الأخيرة.

هل الحكومة المتهم الحقيقي؟

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق إن تدهور الوضع الاقتصادي في مصر أسهم في تصاعد العـ نف الأسري، حيث يتزايد التوتر داخل البيوت نتيجة الضغوط المالية، بينما تبقى النساء الحلقة الأضعف.

ويضيف: “العـ نف يصبح أكثر حضوراً في البيوت، والنساء هنّ من يدفع الثمن في ظل غياب قوانين رادعة ونظام حماية فعّال”.

هذا التصريح يعيد الأمور إلى نصابها، ويُسلّط الضوء – حسب مراقبين – على غياب دور حكومي فعّال في تقديم حلول تُخفف من الضغوط الاقتصادية على الأسر، خاصة في ظل بيانات تكشف عن واقع اقتصادي هش.

ففي عام 2023 بلغ معدل الفقر في مصر نحو 33.3 بالمائة وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن 66.2 بالمائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر العالمي (6.8 دولار يومياً).

وإن كانت الحكومة تُرجع جزءًا من الأزمة إلى الظروف الاقتصادية العالمية التي ترفع تكاليف المعيشة، يبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة حاسمة: ما المسؤولية التي تتحملها في منع حدوث هذه الجرائم التي تتزايد بشكل مرعب؟
ومهما كانت التفسيرات، يبقى السؤال قائمًا: هل الحكومة هي المتهم الحقيقي في تلك الوقائع البشعة؟

أضف تعليقك
شارك