بينما تواصل أسعار اللحوم الحمراء الارتفاع في الأسواق المصرية، رغم اعتماد الدولة على الاستيراد لسد فجوة إنتاجية تقترب من 45%، بدأت مجازر مصرية توسيع صادراتها من اللحوم الطازجة والمجمدة إلى عدد من الأسواق العربية، من بينها الإمارات والأردن، في مفارقة تعكس تعقيدات سوق اللحوم بين احتياجات الداخل ومتطلبات التصدير.
تصدير اللحوم للأردن والإمارات
وفي هذا السياق، كشف المركز الإعلامي للهيئة القومية لسلامة الغذاء، في تقريره الأسبوعي الـ12 لعام 2026 الصادر بتاريخ 5 أبريل 2026، عن تصدير أول شحنة من اللحوم البلدية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة من أحد المجازر المدرجة بالقائمة البيضاء، وذلك بعد استيفاء جميع اشتراطات سلامة الغذاء.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت الأسواق الأردنية في 19 أبريل 2026 وصول أول شحنة لحوم مصرية من لحوم الخراف والعجول المبردة، تم طرحها في منافذ المؤسسة الاستهلاكية العسكرية، بحسب ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، أشار تقرير صادر عن مركز التجارة الدولي التابع للأمم المتحدة في 10 نوفمبر 2025 إلى أن مصر تحتل المركز السابع أفريقيًا في تصدير اللحوم، بإجمالي قيمة بلغت 254 مليون دولار، ما يعكس تنامي حضورها التصديري في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
مجازر حكومية تُصدر اللحوم للأردن
وفي سياق التوسع في الاستيراد من السوق المصرية، أوضح المهندس مصباح الطراونة، مساعد الأمين العام لوزارة الزراعة للثروة الحيوانية في الأردن، في 25 مارس 2026، أن بلاده اتجهت إلى تنويع مصادر استيراد اللحوم عبر 21 منشأ مختلفًا، تشمل اللحوم الطازجة والمبردة والمجمدة، بهدف تعزيز مرونة السوق وضبط الأسعار.
وأضاف الطراونة أن هذا التوجه يأتي بالتزامن مع وجود مخزون استراتيجي كافٍ من اللحوم الحمراء، مشيرًا إلى فتح باب استيراد لحوم العجل المبرد من مصر ضمن هذه السياسة.
ومن جانبه، قال صخر السعدي، تاجر اللحوم الأردني، أثناء تواجده في مصر لإحدى وسائل الإعلام الأردنية، إنه بالتنسيق مع وزارة الزراعة الأردنية تم اعتماد مجزري النوبارية وسفاجا التابعين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع المصرية، لاستيراد لحوم الخراف والعجول الطازجة والمبردة والمجمدة.
وأوضح السعدي أن سعر الجملة للحوم العجول المصرية يبلغ نحو 6.25 دينار أردني، بما يعادل نحو 462 جنيهًا مصريًا تقريبًا، بينما يُتوقع أن تُباع للمستهلك الأردني بنحو 8 دنانير، مقارنة بسعر يصل إلى 11 دينارًا في السوق الأردنية.
وأضاف أن لحوم الخراف ستُطرح بسعر يقارب 9 دنانير وربع، على أن يتم توزيع اللحوم المصرية عبر منافذ المؤسسة الاستهلاكية العسكرية.
وفي مفارقة صارخة، بينما تُباع اللحوم المصرية للمستهلك الأردني بأسعار تنافسية، يكتوي المواطن المصري في الوقت ذاته بأسعار تتراوح بين 379 و497 جنيهًا للكيلو، بحسب النوع والمنطقة، وفق بيانات بوابة الأسعار الرسمية.
فيما تتواصل الشكاوى من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة الإنتاج والأعلاف، ما يجعل التوسع في التصدير محل نقاش داخل السوق المحلية. ويبدو جلياً أن هذا التوجه نحو التصدير يأتي كمحاولة حكومية لجمع العملة الصعبة (الدولار) لتخفيف أزمة النقد الأجنبي، حتى لو كان ذلك على حساب توافر المعروض ورفع الأسعار محلياً.
نسبة الاكتفاء من اللحوم الحمراء في مصر 55 %
وبالانتقال إلى وضع الإنتاج المحلي، تكشف بيانات النشرة السنوية لحركة الإنتاج والتجارة الخارجية الصادرة في 18 ديسمبر 2025، أن نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء في مصر ارتفعت إلى 55.4% خلال عام 2024، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه لا يزال بعيدًا عن تحقيق الاكتفاء الكامل.
كما توضح النشرة أن متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء بلغ 8 كيلوجرامات خلال عام 2024، مقارنة بـ7.9 كيلوجرام في عام 2023، بنسبة زيادة لم تتجاوز 1.3%، في وقت ارتفعت فيه نسبة الاكتفاء الذاتي من لحوم الدواجن إلى 98.3%، مع تحسن متوسط نصيب الفرد إلى 15.9 كيلوجرام.
وفي ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، أكد علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، خلال ندوة نظمها مجلس الأعمال الكندي المصري، أن الدولة تستهدف الوصول إلى 10 ملايين رأس ماشية عالية الإنتاجية بحلول عام 2029، بما يسمح بتغطية نحو 70% من احتياجات السوق من اللحوم الحمراء.
وأوضح الوزير أن الدولة ضخت نحو 10 مليارات و408 ملايين جنيه في مشروع “البتلو”، استفاد منها أكثر من 45.5 ألف مستفيد، لتربية وتسمين أكثر من 527 ألف رأس ماشية، بهدف دعم الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة الاستيرادية.
ورغم هذه الجهود، لا تزال السوق تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي، في ظل ارتفاع معدلات الاستهلاك وتزايد الضغوط السعرية.
واردات مرتفعة لسد الفجوة
ومع استمرار العجز في الإنتاج المحلي، تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في مارس 2025 أن اللحوم والأبقار والجواميس استحوذت على 8.3% من إجمالي واردات السلع الاستهلاكية غير المعمرة خلال عام 2024، والتي تجاوزت قيمتها 15.1 مليار دولار.
وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت واردات اللحوم إلى 1.225 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بـ1.221 مليار دولار في عام 2023، فيما سجلت واردات اللحوم المجمدة من الأبقار وحدها نحو 927 مليون دولار.
كما سجلت واردات اللحوم نحو 1.1 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، في وقت أصدرت فيه الحكومة موافقات استيراد لنحو 114.3 ألف رأس ماشية و87 ألف طن من اللحوم المجمدة.
وشملت هذه الواردات أنواعًا متعددة من الماشية، من بينها عجول التربية والجمال والأغنام، وذلك لتغطية احتياجات السوق، خاصة خلال المواسم مرتفعة الطلب مثل عيد الأضحى، الذي شهد ذبح نحو 34.8 ألف رأس ماشية بزيادة سنوية بلغت حوالي 13 % .
110 ملايين مستهلك .. سوق ضخم يعيش على الاستيراد
وبين ضغوط الاستهلاك المحلي وتذبذب المعروض، يشير تقرير شركة IMARC Group إلى أن سوق اللحوم في مصر مرشح للنمو ليصل إلى 5.19 مليارات دولار في 2026، ثم إلى 5.9 مليارات دولار بحلول عام 20233.
ويعزو التقرير هذا النمو إلى الزيادة السكانية التي تتجاوز 110 ملايين نسمة، إلى جانب التحضر المتزايد في القاهرة الكبرى والإسكندرية، وما يصاحبه من تغير في أنماط الاستهلاك.
ومع هذا التحول، تتجه السوق تدريجيًا نحو زيادة الاعتماد على قنوات البيع الحديثة، في مقابل تراجع نسبي في الاعتماد على الأسواق التقليدية، رغم استمرار هيمنتها، خاصة في المناطق الريفية.
كما يوضح التقرير أن اللحوم الطازجة ما تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من الاستهلاك، مقابل نمو تدريجي في الطلب على اللحوم المصنعة، مع تصدر الدواجن قائمة الاستهلاك الغذائي، يليها لحوم الأبقار والأغنام.
إقليميًا، تظل القاهرة الكبرى أكبر الأسواق استهلاكًا، تليها الإسكندرية وقناة السويس والدلتا، وهو ما يعكس التركز السكاني والاقتصادي في هذه المناطق.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار اعتماد السوق المصرية على الاستيراد كأداة رئيسية لضبط الأسعار وتوفير المعروض، رغم التحركات الحكومية الرامية إلى زيادة الإنتاج المحلي، وفي الوقت نفسه التوسع في فتح أسواق تصديرية جديدة للحوم المصرية.