عطشانين في بلد النيل.. قرى تواجه انقطاع وتلوث مياه الشرب رغم مليارات المشروعات

 في بلدٍ يشق نهر النيل أراضيه من الجنوب إلى الشمال، لا تزال آلاف الأسر في عدد من القرى المصرية تواجه صعوبات يومية في الحصول على مياه شرب نظيفة ومنتظمة، وسط شكاوى متكررة من الانقطاع الطويل، وضعف الضغوط، وتلوث المياه.

 يأتي ذلك رغم إعلان الحكومة ضخ استثمارات ضخمة ساهمت في وصول نسبة تغطية مياه الشرب إلى 99% من القرى، وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول التفاوت بين الأرقام الرسمية المعلنة، وجودة الخدمة الفعلية وانتظامها على أرض الواقع. 

ويُرجع مواطنون وأعضاء بمجلس النواب هذه المشكلات لتهالك شبكات المياه، وزيادة الأحمال الناتجة عن التوسع العمراني غير المخطط، وضعف كفاءة بعض محطات الرفع، إلى جانب تأثير فترات “السدة الشتوية” في تقليل كميات المياه الواصلة لبعض المناطق الواقعة في أطراف المدن والمراكز.

انقطاع المياه.. معاناة يومية ممتدة

يُعد انقطاع المياه الهاجس الأكبر في كثير من المناطق؛ ففي قرية “الزلطاية” التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، عبّر المواطن عبد العال عبد الستار حسين عن معاناة الأهالي، قائلاً بمرارة: “مش لاقيين نشرب ميه”. 

وأوضح أن المياه تصل في أوقات متأخرة من الليل حين يكون أغلب الأهالي نائمين، ثم تنقطع قبل ساعات الصباح، ما يحرم السكان من تخزين احتياجاتهم اليومية أو الاستفادة منها. 

واتفاقاً مع هذا الرأي، أكد المواطن تامر سلامة أن استمرار أزمة المياه بهذا الشكل في عام 2026 أمر غير مقبول، مشيراً إلى أن الانقطاع قد يمتد أحياناً إلى ثلاثة أيام متواصلة، ومطالباً الحكومة بالتدخل الفوري لوضع حل جذري.

من جانبه، أشار المواطن سالم عبدالونيس حسين إلى التخبط في مواعيد الضخ، حيث تصل المياه أحياناً في الثالثة أو الرابعة فجراً، وفي أحيان أخرى تغيب لعدة أيام متتالية، مؤكداً أن الأزمة مستمرة منذ سنوات رغم تكرار الاستغاثات.

وتصل المأساة إلى ذروتها حين يضطر بعض الأهالي، بحسب المواطن مبروك عبد الونيس، إلى استخدام الحمير لنقل المياه من القرى المجاورة لسد رمقهم، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية وغياب البنية التحتية الأساسية.

ولم تقتصر المعاناة على محافظة الفيوم، بل امتدت جنوباً؛ حيث تقدم المواطن “أبو بسام” باستغاثة رسمية عبر صفحة شكاوى مجلس الوزراء بسبب الانقطاع المستمر للمياه في قرى بمركز سمسطا بمحافظة بني سويف.

وفي الجوار، وتحديداً في منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، وثّق مقطع مرئي معاناة سيدة أشارت فيه إلى عدم قدرتها على تلبية احتياجات أسرتها أو حتى إعداد الطعام لطفلها الرضيع، في ظل تكرار الانقطاع وتجاهل خطوط الشكاوى.

أعطال المحطات وتهالك الشبكات  

ولا يتوقف الأمر عند الانقطاع اللحظي، بل تعود جذور الأزمة إلى أعطال المحطات وتهالك البنية التحتية الأساسية.  

ففي مركز ببا بمحافظة بني سويف، وثّق مقطع مرئي أزمة متكررة نتيجة أعطال بمحطة مياه غياضة الشرقية، التي تغذي عدة قرى، ما أدى إلى شلل الخدمة. 

وأكد الأهالي هناك أن الأزمة تفاقمت بشدة خلال السنوات الأخيرة بسبب التوسعات العمرانية العشوائية، خاصة في مناطق الظهير الصحراوي، ما ضاعف الضغط على المحطة الحالية المتهالكة.

وأشاروا إلى أن منطقة “الروض” شمال قرية جبل النور تعد من أكثر المناطق تضرراً، مطالبين بسرعة التدخل، وإعادة تشغيل محطة “الكومباكت” المتوقفة منذ أكثر من عشر سنوات لتخفيف الأحمال.

وعلى صعيد متصل، كشف طلب إحاطة تقدم به عضو مجلس النواب سامي سليم، عن أن تهالك شبكات المياه القديمة المصنوعة من مواسير “الأسبستوس” تسبب في انقطاعات متكررة وتراجع خطير في جودة المياه بعدة مناطق بمحافظة الإسماعيلية.

تلوث المياه معاناة أخرى

إلى جانب أزمة العطش، يبرز كابوس تلوث المياه وسوء جودتها كهمّ يومي يطارد سكان عدة قرى.

 فخلال لقائه مع وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، نقل النائب أسامة عبد الشكور صرخات أهالي قرى مركز ومدينة ملوي بمحافظة المنيا، وعلى رأسها قرية ديروط أم نخلة، الذين اشتكوا من تلوث المياه الواصلة لمنازلهم، مؤكدين أنهم سلكوا كافة السبل القانونية دون جدوى.

وطالب الأهالي بتحويل مصدر التغذية من محطة البركة إلى محطة مياه مصره بمدينة ملوي، لإنقاذهم وضمان وصول مياه صالحة للاستخدام الآدمي.

وبطبيعة الحال، انسحب هذا القلق على أهالي قرية الأشمونين الذين طالبوا بسرعة تسليم محطة مياه الشرب التي انتهت الأعمال بها، مؤكدين أن تأخر تشغيلها يعمق معاناتهم الحالية. 

أما في قريتي هور وقصر هور، فقد دفعت فترات “السدة الشتوية” وتوقف إمدادات البحر اليوسفي، الأهالي لمناشدة الجهات المختصة للموافقة على حفر آبار ارتوازية كبديل اضطراري.

ولم يختلف المشهد الافتراضي عن الواقع، حيث سرد المواطن هيثم عاطف عبر مواقع التواصل الاجتماعي معاناة سكان أحد شوارع قرية البراجيل بمركز ملوي، موضحًا أن نحو 15 أسرة تُجبر على الاعتماد على مياه جوفية ملوثة يتم رفعها بمواتير، بتكلفة عالية ترهق كاهل الأسر محدودة الدخل. 

وتتكرر نفس المأساة في الصعيد، حيث يعاني مواطنو مراكز طما وجهينة وطهطا بمحافظة سوهاج من تدهور جودة المياه وعدم صلاحيتها للشرب، بحسب تحذيرات تضمنها طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب علاء سليمان الحديوي.

وفي حادثة أثارت الهلع، انطلقت تحذيرات عبر مكبرات الصوت في مساجد منطقتي “وادي النيل” و”حسن صالح” بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، تحذر الأهالي من استخدام المياه بعد تداول أنباء عن تلوثها.  

وهو ما دفع شركة مياه الشرب بالمحافظة لسحب عينات عاجلة، ليخرج اللواء محمد عثمان، رئيس الشركة، نافياً تلك الأنباء ومؤكداً مطابقة المياه للمواصفات الصحية.

المشهد ذاته تكرر إعلامياً، إذ بثت قناة “إكسترا نيوز” شكاوى أهالي منطقة كفر برك الخيام بكرداسة في الجيزة، من تلوث المياه واضطرارهم لشرائها معبأة، فيما روت إحدى السيدات بحسرة كيف أُصيب زوجها بمرض جراء استخدام تلك المياه.

وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة، أرجع المهندس وليد عابدين، المتحدث باسم شركتي مياه الشرب بالقاهرة والجيزة، سبب الشكاوى في بعض المناطق إلى لجوء المواطنين لـ”الطلمبات الحبشية” العشوائية، موضحاً أنها تسحب مياهاً جوفية مختلطة بالصرف الصحي نتيجة غياب شبكات الصرف الآمنة في تلك المناطق.

رد حكومي وفجوة قائمة 

 وأمام سيل الشكاوى من العطش والتلوث، تتمسك الحكومة بموقفها المؤكد على استمرار العمل في تطوير قطاع المياه وتوسعة الشبكات. 

وفي هذا الصدد، أعلن المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان السابق، أن عدد مشروعات مياه الشرب المنفذة والجاري تنفيذها بلغ نحو 1920 مشروعاً، بتكلفة ضخمة تصل إلى 276 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن هذه الاستثمارات قفزت بنسبة التغطية من 95% عام 2014 إلى 99% عام 2025. 

وهو ما دعمه المهندس أحمد جابر، رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، بتأكيده على أن الطاقة الإنتاجية وصلت إلى 26.7 مليون متر مكعب يومياً، يتم ضخها عبر 2660 محطة مياه و740 محطة رفع، مبيناً أن إجمالي أطوال الشبكات بلغ 166.1 ألف كيلومتر. ولضمان الجودة، أشار إلى تحليل نحو 8 ملايين عينة مياه سنويًا، مع استهداف رفعها إلى 11 مليون عينة.

ورغم ضخامة هذه الأرقام الرسمية وحجم الإنفاق المعلن، تظل صنابير المياه الجافة والملوثة في العديد من القرى شاهدة على مفارقة قاسية، لتطرح تساؤلاً لا يزال بلا إجابة حاسمة حول سر الفجوة بين إحصائيات الورق، وحق المواطن البسيط في شربة ماء نظيفة ومنتظمة.

أضف تعليقك
شارك