سياسات حكومية تُربك موسم القمح.. تسعير غير عادل وحوادث تهدد التوريد

في الوقت الذي تراهن فيه الدولة على موسم القمح الحالي لتأمين احتياجاتها وتقليص فجوة الاستيراد عبر استلام 5 ملايين طن من المزارعين، يواجه الموسم تحديات متشابكة، تبدأ من ارتفاع تكاليف الزراعة، ولا تنتهي عند الحوادث الميدانية التي طالت المحصول والعاملين عليه.

ويطالب عدد من المزارعين برفع سعر توريد الأردب إلى 3000 جنيه بدلًا من السعر المحدد حكوميًا عند 2500 جنيه، مؤكدين أن الأسعار الحالية لا تغطي التكلفة الفعلية للإنتاج، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن حجم التمويل الحكومي المخصص للتوريد مقارنة بالكميات المستهدفة.

حوادث الحصاد

منذ انطلاق موسم الحصاد، لم تقتصر التحديات على الجوانب الاقتصادية، بل امتدت إلى وقائع ميدانية مرتبطة بسلامة المحصول والعاملين عليه.

ففي 27 أبريل 2026، تداول مستخدمون على موقع “فيس بوك” مقطع فيديو لاستغاثة مواطن يُدعى الحاج عطا، من قرية الزنكلون التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، كشف خلاله تعرض أرضه لسرقة سنابل القمح ليلًا على يد مجهولين.

وأعلنت الأجهزة الأمنية لاحقًا ضبط المتهمين، الذين تبين أنهم من جيرانه، مع إعادة المحصول المسروق، والذي قُدرت قيمته بنحو 85 ألف جنيه.

وفي واقعة أخرى، وثق مقطع فيديو استغاثات لمزارعين من مركز أبوكبير بمحافظة الشرقية، بسبب أعمدة الضغط العالي التي تسببت — بحسب رواياتهم — في حدوث شرز كهربائي أدى إلى اندلاع حرائق متكررة في حقول القمح.

وشهد الموسم عدة حوادث وفاة خلال عمليات دراس المحصول، ففي 21 أبريل 2026، لقي المواطن حسني محمد السيد، البالغ من العمر 50 عامًا، من قرية صنعاء التابعة لمركز الخارجة، مصرعه بعد اصطدامه بماكينة دراس القمح، ما أدى إلى إصابته بهبوط حاد في الدورة الدموية ووفاته في الحال.

ولقيت سيدة ستينية تُدعى “اعتدال”، من قرية مزاتا التابعة لمركز جرجا بمحافظة سوهاج، مصرعها يوم 28 أبريل، بعدما جذبها سير ماكينة الدراس أثناء العمل.

وفي 29 أبريل، توفي مواطن خمسيني من مركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، في حادث مماثل خلال عمليات دراس القمح.

تكلفة الزراعة

وبالتوازي مع هذه الحوادث، يواجه المزارعون ضغوطًا اقتصادية متزايدة مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج.

يقول عدوي عبد الفتاح، وهو مزارع من مركز العدوة بمحافظة المنيا، إن تكلفة زراعة فدان القمح تجاوزت 40 ألف جنيه، متوقعًا ارتفاعها بصورة أكبر خلال الموسم المقبل مع زيادة أسعار الوقود ومدخلات الإنتاج، مطالبًا برفع سعر التوريد.

من جانبه، أوضح محمد حسين، وهو مزارع من محافظة الوادي الجديد، أن الفلاحين يواجهون أعباء متزايدة تبدأ من ارتفاع أسعار التقاوي والأسمدة، ولا تنتهي عند تكلفة مياه الري، مشيرًا إلى أن تشغيل الآبار بالكهرباء يمثل عبئًا إضافيًا.

وأشار ممدوح العرباوي إلى أن تكلفة نقل المحصول إلى نقاط التوريد تمثل عبئًا إضافيًا، خصوصًا في المحافظات البعيدة مثل الوادي الجديد، في ظل ارتفاع أسعار الوقود.

أما مجدي سليمان، وهو مزارع من محافظة الشرقية، فقال إن جميع مراحل إنتاج القمح، بداية من تجهيز الأرض وحتى الحصاد، شهدت زيادات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف أن الجمعيات الزراعية لا توفر سوى 3 شكائر أسمدة مدعمة للفدان، ما يدفع المزارعين إلى شراء باقي احتياجاتهم من السوق الحرة بأسعار مرتفعة.

كما أشار إلى أن تكلفة الحصاد وحدها تتراوح بين 2000 و2400 جنيه للفدان، بعد الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات.

مطالب الفلاحين

ومع استمرار ارتفاع التكاليف، تتزايد مطالب المزارعين برفع سعر توريد القمح.

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، قال المواطن إبراهيم ممدوح: “يا عم قول 3000 أقل حاجة علشان نغطي الإيجار والسولار والعمالة والحرث والمبيدات… فين المكسب؟”.

كما قال المواطن عزت المزين إن السعر العادل يجب ألا يقل عن 3000 جنيه للأردب، حتى يتناسب مع التكاليف الحالية ويشجع الفلاحين على التوريد.

رد الحكومة

في المقابل، أعلنت الحكومة، في 1 أبريل 2026، رفع سعر توريد أردب القمح إلى 2500 جنيه، بزيادة عن السعر السابق، وذلك بتوجيه من القيادة السياسية.

وقال وزير المالية أحمد كجوك إن هذه الزيادة ستكلف الموازنة العامة نحو 4.5 مليار جنيه إضافية، مؤكدًا تخصيص 69.1 مليار جنيه لشراء القمح المحلي خلال الموسم الحالي.

مستهدف التوريد

من جانبه، أكد وزير الزراعة علاء فاروق أن الدولة تستهدف استلام نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال الموسم الحالي.

وأشار إلى أن المساحات المزروعة بالقمح تجاوزت 3.7 مليون فدان، بزيادة تُقدر بنحو 600 ألف فدان مقارنة بالعام الماضي.

وأعلنت وزارة التموين بدء موسم التوريد رسميًا من 15 أبريل وحتى 15 أغسطس، مع تجهيز أكثر من 400 نقطة استلام، والتأكيد على صرف مستحقات المزارعين خلال 48 ساعة.

ورغم التوسع في التوريد المحلي، لا تزال مصر تعتمد على استيراد القمح لتغطية احتياجاتها.

وبلغت واردات القمح نحو 12.3 مليون طن خلال عام 2025، مقارنة بـ14.1 مليون طن في 2024، فيما توقعت وزارة الزراعة الأمريكية وصول الواردات إلى نحو 13.99 مليون طن خلال موسم 2025-2026.

تحرك برلماني

ومع تصاعد الجدل بشأن تكلفة الإنتاج وسعر التوريد، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة للمطالبة برفع سعر التوريد.

وطالب النائب باسم كامل بزيادة سعر الأردب إلى 3000 جنيه، مؤكدًا أن السعر الحالي لا يعكس التكلفة الفعلية للزراعة.

كما حذر من اتجاه بعض الفلاحين إلى بيع المحصول في السوق الحرة بدلًا من توريده للدولة.

وفي السياق نفسه، طالب النائب رائف تمراز بضرورة إعادة النظر في سعر التوريد في ظل الزيادات المستمرة في تكاليف الإنتاج.

تضارب الأرقام

وفي تطور أثار تساؤلات داخل البرلمان، تحدث النائب حسام حسن عن وجود تباين بين الأرقام الحكومية المعلنة بشأن منظومة توريد القمح.

وأوضح أن استهداف توريد 5 ملايين طن يعادل نحو 33.35 مليون أردب، مضيفًا أن شراء هذه الكميات وفق السعر الحكومي المعلن يتطلب تمويلًا يقترب من 83.4 مليار جنيه، في حين تبلغ المخصصات المعلنة فعليًا نحو 69.1 مليار جنيه فقط.

وأشار إلى أن هذا الفارق قد يعكس وجود فجوة تمويلية تقترب من 14 مليار جنيه، أو عدم اتساق بين السعر والكميات المستهدفة.

وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج، والحوادث المرتبطة بموسم الحصاد، ومطالب المزارعين برفع سعر التوريد، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بحجم التمويل الحكومي، تتواصل أزمة توريد القمح خلال الموسم الحالي.

أضف تعليقك
شارك