نار الحرب تحرق الجنيه.. الدولار  يصعد وفاتورة الاستيراد تتضخم

في وقت لم يتعافَ فيه الجنيه المصري بالكامل من موجات التراجع السابقة، عاد ليتعرض لضغوط جديدة مع تصاعد الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما تبعها من اتساع نطاق المواجهات في المنطقة.

فقد سجل الجنيه انخفاضاً ملحوظاً أمام الدولار مع الساعات الأولى لاندلاع التطورات العسكرية، في مؤشر يعكس حساسية السوق المصرية لأي اضطرابات خارجية تمس تدفقات النقد الأجنبي.

هذا التراجع السريع لم يمر مرور الكرام في الشارع المصري، حيث تحولت المخاوف الاقتصادية إلى مادة للتعليق والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

إذ تداول مواطنون عبارة: “أتعشم أن الحرب الدايرة دي ما تأثرش على سعر البانيه”، مصحوبة بمشهد للفنان خالد الصاوي من فيلم “كده رضا”، في تعبير ساخر يلخص قلقاً شعبياً من انعكاسات الحرب، ويعكس إدراكاً مباشراً لمدى ارتباط سعر الصرف بتكلفة المعيشة اليومية.

ورغم أن مصر ليست طرفاً مباشراً في الصراع عسكرياً أو سياسياً، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب بدت سريعة وواضحة في سوق الصرف.

ضغوط العملة

مع الساعات الأولى لاندلاع المواجهات، ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري بعد شهور من الاستقرار النسبي، ليسجل 49.13 جنيهاً مقارنة بـ 46.70 جنيهاً، وهو المستوى الذي استقر عنده خلال الشهر الماضي.

وتشير بيانات السوق إلى أن الجنيه ظل يتحرك في نطاق مستقر نسبياً لعدة أشهر قبل هذا الارتفاع المفاجئ، ما يعكس حساسية السوق لأي توترات جيوسياسية.

ويتوقع المحلل المالي سعد عدلي أن يتراوح سعر الصرف بين 51 و52 جنيهاً، مشيراً إلى أن الدولار يُسعر بالفعل في أسواق الذهب (الصاغة) عند نحو 51 جنيهاً.

ويرجع عدلي هذا الارتفاع إلى خروج ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”، وهي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل في أدوات الدين الحكومية، التي تعتمد على الاقتراض من أسواق منخفضة العائد وضخ الأموال في الأسواق ذات الفائدة المرتفعة للاستفادة من فارق العائد.

وبحسب تقديراته، شهدت سوق أدوات الدين المصرية خروج نحو 1.4 مليار دولار خلال الأسبوع السابق للحرب بسبب التهديدات فقط، فيما سجلت تعاملات يوم الأحد، مع افتتاح البورصة، خروج نحو مليار دولار إضافي.

وتستفيد هذه الاستثمارات من مستويات الفائدة المرتفعة في مصر، إذ يبلغ العائد على أذون الخزانة لأجل عام نحو 22.78%، بينما يصل العائد على أذون الستة أشهر إلى 23.87%، بما يمنح عائداً صافياً بعد خصم الضريبة يتجاوز 18.2%.

وتُقدَّر تقارير اقتصادية حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية بما بين 45 و50 مليار دولار، وهو ما يجعل أي حركة تخارج تمثل ضغطاً مباشراً على سوق النقد الأجنبي.

تدفقات الأموال الساخنة

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي الدكتور بلال شعيب، لـ”أحوال مصرية”، أن تأثير الحرب على تدفقات الأموال الساخنة لا يزال محدوداً حتى الآن، مستنداً إلى استمرار جاذبية العائد المرتفع، وإلى أن نطاق الحرب لم يتسع بصورة كبيرة بعد، كما لم تتضح مدتها الزمنية.

وأوضح أنه إذا تشابهت الحرب الحالية مع المواجهة التي اندلعت في يونيو الماضي بين الولايات المتحدة وإيران واستمرت 12 يوماً فقط، فقد يكون التأثير محدوداً، إلا أن امتداد أمد الحرب قد يفضي إلى تداعيات سلبية أوسع.

وكانت تجربة عام 2022 حاضرة في أذهان المراقبين، إذ فقدت مصر ما بين 22 و25 مليار دولار من الأموال الساخنة عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بحسب تصريحات رسمية لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي آنذاك، وهو ما تسبب في ضغوط حادة على الاحتياطي النقدي وتراجع قيمة الجنيه، وتحريك سعر الصرف عدة مرات، فضلاً عن موجات تضخم متتالية.

ويتفق المحلل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علي متولي، مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن ما يحدث حالياً يمثل خروجاً جزئياً، لكنه حذر من احتمالية حدوث تخارج فوري وحاد إذا تصاعدت وتيرة الحرب أو طال أمدها، نظراً لأن هذه الاستثمارات شديدة الحساسية للصدمات العالمية والإقليمية.

صدمة الطاقة

ولا تتوقف التداعيات المحتملة عند حدود التدفقات المالية، بل تمتد إلى ملف الطاقة. فقد انعكست الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران على أسعار البترول والغاز الطبيعي، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، ما يثير مخاوف من قفزات حادة في أسعار النفط.

ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي، لـ«أحوال مصرية»، أن أي تعطل في حركة الملاحة بمضيق هرمز يمثل صدمة اقتصادية عالمية تنعكس مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد المصري، محذراً من سيناريو ارتفاع أسعار النفط إلى ما بين 110 و120 دولاراً للبرميل.

وبيّن الإدريسي أنه في هذه الحالة سترتفع فاتورة الواردات البترولية، ما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية، كما سينعكس ارتفاع تكلفة الطاقة تدريجياً على أسعار السلع والخدمات.

وتتصل الأزمة كذلك باعتماد مصر على واردات الغاز من إسرائيل، بعد إعلان وقف تصدير الغاز نتيجة التطورات العسكرية، ومن بينها إغلاق حقل ليفياثان، الذي يُعد أحد المصادر الرئيسية لتصدير الغاز إلى مصر.

وفي مواجهة ذلك، أعلنت وزارة البترول تنفيذ إجراءات استباقية لتأمين الإمدادات، وتسريع التعاقد على شحنات غاز مسال، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد ورفع جاهزية خطط الطوارئ لضمان استمرار الإمداد لمحطات الكهرباء والقطاعات الإنتاجية.

تأثيرات على الاستيراد

ولا تنفصل تحركات سعر الصرف عن تأثيرها المباشر على فاتورة الاستيراد، في ظل اعتماد مصر على الخارج لتوفير نسبة كبيرة من احتياجاتها من السلع الاستراتيجية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، بحسب المحلل الاقتصادي بلال شعيب.

وأشار إلى أنه مع كل ارتفاع في سعر الدولار، ترتفع تكلفة استيراد القمح والزيوت والذرة وفول الصويا، إضافة إلى مدخلات الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية.

كما أوضح شعيب أن زيادة تكلفة العملة الأجنبية لا تؤثر فقط على السلع النهائية، بل تمتد إلى المصانع التي تعتمد على خامات ومكونات مستوردة، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويزيد احتمالات انتقال الزيادة إلى المستهلك النهائي.

وفي حال استمرار تقلبات سعر الصرف أو ارتفاعه إلى مستويات أعلى، قد يواجه المستوردون صعوبات في تدبير العملة الأجنبية، ما قد يبطئ حركة الاستيراد ويؤثر على وفرة بعض السلع، خاصة غير الأساسية منها، وفقًا لشعيب.

دور البنك المركزي

ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من البنك المركزي بشأن آليات التعامل مع تحركات سعر الصرف، لكن السوق يتأثر بتوقعات المستثمرين والمضاربين، ما يزيد الضغط النفسي على قيمة الجنيه.

وتشير التحركات المبكرة في سوق الصاغة والمستوردين إلى أن العامل النفسي يلعب دورا أساسيًا في زيادة الطلب على الدولار بشكل تحوطي، ما يضاعف أي ارتفاعات مفاجئة في الأسعار، ويؤثر على حركة التجارة والاستيراد.

إجراءات حكومية

في المقابل، تحركت الحكومة لاحتواء التداعيات، غير أن وتيرة الاستجابة بدت، وفق مراقبين، أبطأ من تسارع التطورات في سوق الصرف وأسواق الطاقة.

فقد عقد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعات مع الوزراء المعنيين بملفات السلع الغذائية والمواد البترولية.

وأكد وزير التموين شريف فاروق توافر مخزون استراتيجي آمن من السلع الأساسية يكفي عدة أشهر، مع استمرار ضخ السلع ومتابعة الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية.

كما شدد وزير البترول كريم بدوي على استقرار الاحتياطيات البترولية وتأمين الإمدادات لمختلف الاستخدامات، خصوصاً القطاعات الإنتاجية، مع وجود خطط جاهزة للتعامل مع أي سيناريوهات طارئة.

وأكد وزير الكهرباء محمود عصمت استقرار الشبكة القومية وانتظام إمدادات الغاز للمحطات، مع وضع خطط لضمان استمرارية التيار الكهربائي.

إلا أن خبراء يرون أن التحدي لا يكمن فقط في توافر المخزون أو انتظام الإمدادات، بل في قدرة السياسات الاقتصادية على امتصاص الصدمات الخارجية السريعة، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على تدفقات العملة الأجنبية قصيرة الأجل.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، يظل السؤال قائماً حول مدى قدرة هذه الإجراءات على احتواء الضغوط إذا طال أمد الأزمة أو تصاعدت حدتها.

أضف تعليقك
شارك