في خطوة تعكس تمكين جهاز مستقبل مصر التابع للقوات الجوية من سيطرته على أراضي الاستصلاح الزراعي، كشفت مخاطبات رسمية عن نقل ولاية مساحات واسعة من الأراضي التابعة لهيئة التعمير والتنمية الزراعية إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، لتشمل أراضي بشرق القناة وجنوب بورسعيد، إلى جانب مشروعات كبرى بمحافظات أخرى.
التحركات الأخيرة جاءت ضمن سلسلة قرارات ومخاطبات رسمية متتالية، أعادت رسم خريطة الولاية على أراضي الاستصلاح، وأثارت في الوقت نفسه جدلاً بين عدد من المنتفعين وأعضاء البرلمان، في مقابل مبررات حكومية بأن الهدف هو إعادة هيكلة المنظومة وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة.
خطاب 23 فبراير
بحسب خطاب رسمي مؤرخ في 23 فبراير 2026، أرسله اللواء الدكتور أحمد محمد السيد، المدير التنفيذي لهيئة التعمير والتنمية الزراعية، إلى الدكتور ناجح فوزي رئيس قطاع استصلاح الأراضي بوزارة الزراعة، تقرر إيقاف أي إجراءات تمنح الهيئة صلاحيات التعامل على أراضي “شرق القناة وجنوب بورسعيد”، ونقل ولايتها إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية.
وأوضح الخطاب أن التعامل على أراضي شرق القناة تم إيقافه بالكامل، بالإضافة إلى إيقاف التعامل على أراضي 28 جمعية زراعية وشركتين فقط في جنوب بورسعيد.
وأشار الخطاب صراحة إلى أن هذه التعليمات تأتي بناءً على توجيهات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.
تقديرات سابقة للمساحة
تعود مساحة الأراضي محل القرار إلى تقديرات لجنة التثمين التابعة للجنة استرداد أراضي الدولة في مارس 2017، والتي قدرت المساحة الخاضعة لولاية الهيئة والمخصصة لـ28 جمعية وشركتين بمنطقة جنوب بورسعيد بنحو 43 ألفاً و358 فداناً.
وأعدّت الهيئة في ذلك الوقت قائمة بأسماء الجمعيات والشركات، وهي: “جمعية القناة، جمعية محاربي 6 أكتوبر، جمعية بورسعيد، جمعية 23 ديسمبر، جمعية النصر، جمعية عمار، جمعية الخلفاء الراشدين، جمعية النماء، جمعية بن ياسر، جمعية العاشر من رمضان، جمعية الجنوب الأخضر، جمعية الفتح، جمعية أم خلف البحرية، جمعية أم خلف القبلية”.
كما شملت القائمة: “جمعية العبايدة، جمعية السلام الوطنية، جمعية بدر، جمعية الاتحاد، جمعية بحري، جمعية عمر بن الخطاب، جمعية الزهور، جمعية الكاب، جمعية بورفؤاد، جمعية المستقبل، جمعية الإسراء، جمعية العبور، جمعية أمل بورسعيد”.
بالإضافة إلى “شركة بورسعيد للاستثمار والتنمية، وشركة بورسعيد للزراعات المحمية”
طلبات إحاطة في البرلمان
الملف كان محل مناقشة داخل مجلس النواب. ففي 28 أبريل 2025، ناقشت لجنة الزراعة عدداً من طلبات الإحاطة المتعلقة بأراضي جنوب بورسعيد.
إذ تقدم النائب حسن طارق عمار بطلب إحاطة بشأن قيام الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية بفرض شروط وغرامات على المنتفعين بأراضي الجمعيات التعاونية الزراعية، ما أدى إلى تعثر بعضهم عن السداد.
كما تقدم النائب سليمان وهدان بطلب إحاطة بشأن ما اعتبره مماطلة من الهيئة في استكمال تسلّم الأقساط المستحقة على المنتفعين بأراضي منطقة شمال بركة أم الريش – بحر البقر – جنوب بورسعيد، ورفض تسلّم أقساط الأراضي، مع التهديد بفسخ التعاقد مع المنتفعين في زمام 14 جمعية.
من جانبه، أرجع المدير التنفيذي السابق للهيئة الدكتور هاني حجازي، سبب سحب الأراضي إلى تأخر 14 جمعية من أصل 21 عن سداد الأقساط، ما يُلزم الهيئة بفسخ التعاقد طبقاً لقرار رئيس الوزراء رقم 2960 لسنة 1995.
وعقب المناقشات، أوصت لجنة الزراعة بأن تتقدم الجمعيات بطلب موقع من رؤسائها، تتعهد فيه بسداد مليار جنيه خلال شهر مايو، على أن يُستكمل باقي المبلغ عقب حصاد الموسم في أول ديسمبر، مع تنازل الهيئة عن المحاضر الجنائية.
نقل 606 آلاف فدان بمحافظة البحيرة
وفي 24 ديسمبر 2025، أخطرت هيئة التعمير قطاع استصلاح الأراضي بنقل تبعية 14 مشروعاً بمحافظة البحيرة، بمساحة إجمالية تقدر بنحو 606 آلاف فدان، لصالح جهاز مستقبل مصر.
وشمل الإخطار تسليم كافة المستندات الخاصة بالموقف الفني والمالي والقانوني لمراقبات التنمية والتعاون بنجر السكر، ومراقبة البستان، وغرب النوبارية، ومراقبة طيبة، ومراقبة جنوب وغرب التحرير.
كما تضمن الخطاب تنبيه المراقبات التابعة للقطاع بإيقاف أية إجراءات في التعامل على تلك الأراضي من تحصيل وتصرفات ولجان إشرافية ولجان مخالفات.
قرارات تخصيص ونقل ولاية بأثر رجعي
في يوليو 2025، صدر قرار رئاسي بإعادة تخصيص خمس قطع أراضٍ تابعة لوزارة الزراعة بمحافظة الجيزة، إلى جانب قطعة أرض من وزارة الري.
وفي 28 يناير 2026، قرر مجلس الوزراء نقل ولاية 32 قطعة أرض إلى محافظات وهي أسيوط، البحر الأحمر، الوادي الجديد، بني سويف، مطروح، والغربية.
وسبق ذلك، في مايو 2024، صدور قرار جمهوري بتخصيص قطعتي أرض لجهاز مستقبل مصر بمساحة تصل إلى نحو 938 ألف فدان بنطاق محافظات بني سويف والمنيا وأسوان.
انتقادات عبر “فيسبوك”
أثار نقل ملكية أراضي هيئة التعمير وقطاع استصلاح الأراضي حالة من الاستياء بين عدد من المواطنين عبر موقع “فيسبوك”.
وكتب أحمد عبدالعال:”ما هذا الموضوع؟ جهاز مستقبل مصر بهذا الأسلوب يلغي وظيفة وزارة الزراعة ويرفع يدها عن الأراضي الزراعية وملفاتها.. هل المفروض إعادة هيكلة الوزارات؟”
واعتبر خالد مندور أن الجهاز “يسحب الأرض من الملاك ويرجع يعمل حق انتفاع بالإيجار السنوي فقط”.
وأشار أبو وسام عابد إلى ما وصفه بـ”فشل الجهاز”، بينما ذكر محمد طلعت أن “الإيجار أصبح يُدفع في بنك مصر، بعقود ثانوية، وبقيمة 20 ألف جنيه سنوياً، ومن لا يدفع تُسحب أرضه”.
80 ألف متعثر وتحصيل 5.3 مليار جنيه
كشف محمد الشحات، رئيس الهيئة الأسبق، تفاصيل توجيهات رئاسية صادرة في 17 سبتمبر 2023 بإعفاء المتعثرين من فوائد وغرامات التأخير، والتي شملت أكثر من 80 ألف مواطن.
كما أعلن وزير الزراعة السابق السيد القصير أمام لجنة الزراعة في 23 فبراير 2024 أن الهيئة قامت خلال ثلاث سنوات بتحصيل نحو 5.3 مليار جنيه قيمة أقساط ومتأخرات.
وفي 16 فبراير 2026، وخلال لقاء رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع الدكتور حسين عيسى لمتابعة ملف إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، أُعلن أن أولى لقاءات هيكلة الهيئات بدأها مع مسؤولي هيئة التعمير والتنمية الزراعية.
نشأة واختصاصات الهيئة
أُنشئت هيئة التعمير والتنمية الزراعية لتتبع وزارة الزراعة بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 269 لسنة 1975، والمنشور في العدد (15) من الجريدة الرسمية بتاريخ 10 أبريل 1975، والذي منحها الشخصية الاعتبارية وحدد اختصاصاتها.
ونص القرار على أن تتولى الهيئة رسم السياسة العامة لاستصلاح الأراضي البور والصحراوية واستزراعها واستغلالها وتعميرها، وإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية الخاصة باستصلاح الأراضي والمشروعات الزراعية ومشروعات الإنتاج الحيواني والتصنيع الزراعي، وتقرير صلاحية تلك المشروعات.
كما تختص بالاشتراك مع أجهزة الدولة المختصة في تخطيط وتصميم المرافق العامة والخدمات الخاصة بالأراضي المستصلحة، وحصر الطاقات الإنتاجية في مجال الزراعة واستصلاح الأراضي والتعرف على إمكانياتها.
وتشمل اختصاصاتها كذلك حصر وتصنيف الأراضي البور والصحراوية القابلة للاستصلاح، وتنمية الموارد المائية في الصحاري المصرية، وإجراء الدراسات المتعلقة باستخدام الآلات الزراعية ومعدات استصلاح الأراضي والحفر، فضلاً عن تنسيق التعاون مع الجهات الأجنبية والهيئات الدولية في ما يتعلق بخطة الزراعة واستصلاح الأراضي، ووضع سياسة الاستعانة بالخبراء الأجانب في المجال الزراعي، وتقديم المشورة والخبرة الفنية إلى الدول العربية والهيئات الأجنبية.
وفي 21 أغسطس 1980، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس الجمهورية رقم 413 لسنة 1980، والذي نص على إعفاء الهيئة من سداد القروض المحلية وفوائدها عن الفترة من 1 يناير 1979 حتى 30 يونيو 1980، على أن تحل وزارة المالية محل الهيئة في سداد تلك القروض.
وفي 30 نوفمبر 1995، أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 2906 لسنة 1995، والذي نصّ على أن تتولى الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية إدارة واستغلال والتصرف في الأراضي المخصصة لها، طبقًا لأحكام القانون رقم 7 لسنة 1991.
وتشمل هذه الأراضي الصحراوية الخاضعة لأحكام القانون رقم 143 لسنة 1981، والتي تُخصص لأغراض الاستصلاح والاستزراع بقرار يصدر من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس الوزراء، بناءً على عرض وزير الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية واستصلاح الأراضي.
وبموجب القرار، تمارس الهيئة سلطات المالك في ما يتعلق بهذه الأراضي، وتباشر مهامها بالتنسيق مع وزارة الدفاع، مع مراعاة ما تفرضه شروط وقواعد تتطلبها شؤون الدفاع عن الدولة.
كما تمتد سلطاتها إلى أراضي البحيرات والسياحات التي يتم تجفيفها، وأراضي طرح النهر، حيث تمارس الهيئة سلطات المالك بشأنها بالتنسيق مع وزارة الأشغال العامة والموارد المائية بالنسبة لأراضي طرح النهر.
ويشمل نطاق اختصاصها كذلك الأراضي المتاخمة والممتدة خارج الزمام لمسافة كيلومترين، على أن يتم استصلاحها وفق خطة قومية تضعها وزارة استصلاح الأراضي.