“تحويشة العمر ضاعت”.. المودعون يواجهون كابوس تراجع عوائد شهادات الادخار وفشل الحكومة في كبح الأسعار

مع اقتراب موعد استحقاق شهادات الادخار مرتفعة العائد (23% و27%) في يناير، يدخل ملايين المودعين حالة متزايدة من القلق، في ظل مؤشرات تؤكد استمرار خفض أسعار الفائدة وعدم طرح أوعية ادخارية بعوائد مماثلة.

ولم تكن هذه الشهادات، بالنسبة لكثير من المواطنين، مجرد أدوات ادخار تقليدية، بل وُضعت فيها تحويشة العمر بعد سنوات من العمل والاقتطاع، وتحولت إلى مصدر دخل شهري تعتمد عليه شرائح واسعة من المجتمع، لمواجهة متطلبات المعيشة اليومية.

ولا تقتصر الأزمة على تراجع العائد الاسمي، بل تمتد إلى ما يصفه المواطنون بـ” الخسارة الحقيقية” الناتجة عن الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي فيما يتعلق بالتضخم.

غضب واسع

وعكست مواقع التواصل الاجتماعي حالة الغضب والقلق التي يعيشها المودعون، إذ شكّك كثير من المواطنين في الرواية الرسمية بشأن تراجع التضخم.

وقال المواطن أحمد حسن إن انخفاض التضخم، وفق الأرقام الحكومية، لم يظهر في الأسواق، مشيراً إلى أن أسعار السلع الأساسية لم تنخفض، بل ارتفع بعضها، ما جعل العائد الجديد على الشهادات غير كافٍ لشراء السلع نفسها التي كان يحصل عليها سابقاً.

وأضاف أن الدخل الحقيقي لحاملي الشهادات تراجع، وأن الحديث عن تضخم منخفض لا يتجاوز كونه أرقاماً على الورق.

بدوره، قال علاء الكاشف مستنكراً: “عن أي تضخم يتحدثون؟ نحن نعيش واقعاً مختلفاً تماماً، الأسعار غالية وتزداد، بينما العوائد تنخفض”، معتبراً أن الفجوة بين الخطاب الرسمي ومعيشة المواطنين تتسع يوماً بعد يوم.

أما إبراهيم إسماعيل فتساءل عن السلع التي انخفضت أسعارها بالفعل، قائلاً إن الأسعار لم تتراجع حتى في الفترات التي كانت الحكومة تعلن فيها عن وصول التضخم إلى مستويات قياسية، وهو ما يضع علامات استفهام حول مصداقية الأرقام المعلنة.

حسابات بسيطة.. وخسارة واضحة

وبلغة حسابية مباشرة، شرح المواطن يوسف يحيى حجم الخسارة، قائلاً إن من كان يحصل على نحو 5 آلاف جنيه شهرياً من عائد شهادته، سيجد نفسه بعد التجديد أمام دخل لا يتجاوز 3 آلاف جنيه، متسائلاً كيف يمكن لهذا المبلغ أن يكفي في ظل زيادات الكهرباء والمياه والغاز، إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء والعلاج، التي تجاوزت في بعض الحالات 50%.

وأكد سمير أنس الفكرة نفسها، موضحاً أن التضخم قد يكون تراجع رقمياً، لكن الأسعار لم تنخفض، وأن العائد الشهري يُصرف اليوم على سلع لم تتراجع قيمتها، ما يعني أن القدرة الشرائية للمدخرين تتآكل عاماً بعد عام.

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة، بحسب مراقبين، إلى طرح شهادات الادخار بعائد 30%، في فترة كان فيها معدل التضخم يقترب من 38%، ما أدى إلى خسارة فعلية للمدخرين قُدّرت بنحو 8% من قيمة أموالهم.

وفي أبريل 2024، ومع تصاعد معدلات التضخم وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، لجأت البنوك التجارية المصرية والأجنبية إلى طرح شهادات ادخار بعوائد استثنائية تراوحت بين 23% و27%، في محاولة لسحب السيولة من السوق وكبح التضخم.

وقد وُصفت هذه الخطوة حينها بأنها مخاطرة جديدة بأموال المصريين، رغم تقديمها رسمياً على أنها دعم للأسر المالكة للمدخرات ومساعدتها على مواجهة الغلاء.

تحول السياسة النقدية وخفض الفائدة

بعد مرور عام، بدأ البنك المركزي، منذ أبريل 2025، اتباع سياسة نقدية انكماشية، مستنداً إلى ما وصفه بتراجع معدلات التضخم، حيث خفّض أسعار الفائدة خمس مرات خلال العام.

ومع كل قرار خفض، أعادت البنوك تسعير عوائد شهادات الادخار، لينخفض متوسط العائد إلى ما بين 17% و18%، وهو ما أثار مخاوف المودعين من استمرار التراجع خلال الفترة المقبلة.

وسجل معدل التضخم العام 12.3% في نوفمبر الماضي، بعد المستويات القياسية التي بلغها خلال عام 2024، وهو الرقم الذي تستند إليه الحكومة في تبرير خفض العوائد.

رواية الخبراء الرسميين

قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، خلال مداخلة تلفزيونية، إن الشهادات التي ستُطرح في يناير المقبل لن تقدم عوائد أعلى من المستويات الحالية، في ظل تراجع معدلات التضخم.

وأوضح أن العوائد المرتفعة التي طُرحت سابقاً كانت تهدف إلى جذب السيولة من السوق ومواجهة التضخم المرتفع.

وأشار أبو الفتوح إلى أن البدائل المتاحة أمام المدخرين تشمل شهادات بعوائد ثابتة أو متدرجة، أو الاستثمار في الذهب، محذراً في الوقت نفسه من الاستثمار في العقارات بسبب ارتفاع تكلفتها، ومن تقلبات أسعار الذهب رغم ارتفاعه مؤخراً.

كما دعا المواطنين إلى حساب العائد الحقيقي لأي شهادة ادخار من خلال خصم معدل التضخم من العائد المعلن، مؤكداً أن المدخرات تكون في أمان إذا كان الناتج موجباً، أما إذا كان سالباً فإن قيمتها تتآكل.

وعلى النهج نفسه، قال الخبير المصرفي محمد عبد العال، في مداخلة هاتفية تلفزيونية، إن الحصول على عائد مرتفع لا يُعد مكسباً إذا كان التضخم أعلى منه، مشيراً إلى أن العائد الحالي، مع تضخم عند نحو 12%، يحقق مكسباً حقيقياً من وجهة نظره.

غير أن هذه الرواية الرسمية قوبلت بتشكيك واسع، حيث يرى المواطنون أن التضخم الحقيقي هو ما يلمسونه في الأسواق، لا ما تعكسه البيانات الإحصائية، مؤكدين أن الأسعار لم تنخفض وأن العائد الجديد لا يعوض تراجع القوة الشرائية.

مخاطر اجتماعية

في ظل غياب تطمينات حكومية واضحة، حذر متابعون على منصات التواصل الاجتماعي من تنامي ظاهرة شركات النصب التي تستهدف الباحثين عن عائد شهري مرتفع.

وقال أبو البراء إسلام إن انتشار إعلانات الاستثمار الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي ينذر بكارثة قد تؤدي إلى الاستيلاء على مدخرات البسطاء.

كما عبّرت هالة علي عن حزنها وقلقها على الأرامل وأصحاب المعاشات الذين يعتمدون كلياً على عوائد شهادات الادخار كمصدر دخل أساسي، متسائلة عن مصيرهم في ظل تراجع العوائد وارتفاع تكاليف المعيشة.

استحقاقات ضخمة وهروب حكومي

بحسب ما نشرته صحيفة حكومية في 16 ديسمبر، يواجه القطاع المصرفي المصري موجة استحقاقات ضخمة لشهادات الادخار مرتفعة العائد التي طُرحت في 2024، وقدّرت مصادر مصرفية للصحيفة حصيلة الاكتتاب في هذه الشهادات لدى أكبر بنكين حكوميين بما يتراوح بين 1.25 و1.5 تريليون جنيه، تشمل أصل الشهادات والفوائد.

وارتفع إجمالي مدخرات الأفراد في الشهادات والأوعية الادخارية المرتبطة بآجال بنحو 1.14 تريليون جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من العام، ليصل إلى 6.6 تريليون جنيه بنهاية أكتوبر، مقابل 5.4 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2024، رغم خفض العوائد.

وقال محمد الإتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، إن البنك يوجّه العملاء إلى إعادة استثمار مدخراتهم في الشهادات المتاحة حالياً قبل أي خفض جديد للفائدة، موضحاً أن البنك يطرح شهادتين لمدة ثلاث سنوات، إحداهما بعائد متدرج، والأخرى بعائد ثابت 17% يُصرف شهرياً.

ويعني هذا التوجه، بحسب مراقبين، أن المواطنين مطالبون بتحمّل أي خسائر محتملة وقبول العوائد المتراجعة، في ظل غياب حلول استثنائية أو حماية حقيقية لقيمة مدخراتهم.

أضف تعليقك
شارك