مواطنون في مواجهة الحكومة والشركات.. قصص كفاح من أجل حقوق السكن والبيئة والعمل

 

مثّلت قضية وادي القمر بمحافظة الإسكندرية، التي أقامها المواطن هاني عبد الفتاح أبو عقيل، وحصل فيها على حكم قضائي بتعويضه عن الأضرار البيئية التي لحقت به نتيجة انتهاكات شركة أسمنت بورتلاند، واحدة من أبرز نماذج مواجهة المواطنين للشركات والحكومة عبر المحاكم، رغم محاولات الشركة المتكررة للتملص من تنفيذ الحكم.

 

بدأت معاناة هاني عندما تسببت الانبعاثات الصادرة عن شركة أسمنت بورتلاند في الإضرار بصحته وصحة عائلته وأهالي منطقة وادي القمر، ما دفعه للتوجه إلى القضاء للمطالبة بحقوقه وتعويض الأضرار التي لحقت به.

في عام 2023، رفعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية القضية نيابة عن هاني ونجله، وحصل على حكم قضائي يقضي بتعويضه عن الأضرار البيئية التي تعرض لها، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في أبريل 2024.

ورغم صدور الحكم، واجه هاني صعوبة في تنفيذه، إذ حاولت الشركة التحايل على التنفيذ ورفضت دفع التعويض، إلا أن الإصرار القانوني والمتابعة القضائية أجبرت الشركة أخيراً على سداد مبلغ التعويض بقيمة مليون جنيه في 16 ديسمبر 2025.

تعد هذه القضية نموذجًا حيًا لإصرار المواطنين على استخدام القضاء كأداة لمواجهة تغوّل الشركات والدفاع عن حقوقهم البيئية والاجتماعية، وهي جزء من مسلسل طويل من القضايا التي واجه فيها المواطنون تحديات مشابهة في مختلف المحافظات.

وفي عزبة البوستة بمحافظة أسوان، بدأت مبادرة “مناخ” التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات حملة قضائية منذ أغسطس 2024 لإيقاف مصنع للأسمدة والصناعات الكيميائية، بعد أن أثرت الانبعاثات الكيميائية الضارة على صحة السكان، وخصوصاً الأطفال.

كما تدهورت الحالة الصحية لعدد كبير منهم، وتدهورت الأراضي الزراعية وأصبح إنتاجها أقل.

ويبرز صمود المواطن محمد جمال صادق في قرية منقباد بمحافظة أسيوط، الذي رفع دعوى قضائية ضد وزيرة البيئة وآخرين بسبب الأضرار الناتجة عن مخلفات مصنع الأسمدة، والتي أثرت على أسرته وأهالي المنطقة، وعدم الالتزام بالاشتراطات البيئية المفروضة للحد من آثار التلوث.

 

مواجهة نزع الملكية

لم تقتصر مواجهة المواطنين على البيئة، بل امتدت إلى حقوق السكن وملكية الأراضي. فقد رفض أهالي منطقة طوسون شرق الإسكندرية قرار نزع ملكية منازلهم للمنفعة العامة، وتقدموا بطعن رسمي أمام محكمة القضاء الإداري لوقف تنفيذ القرار.

وقال المحامي محمد رمضان، الممثل القانوني للأهالي والمتابع للملف منذ صدور القرار، إن هدم أكثر من 300 منزل ودور عبادة لا يمكن تبريره تحت مظلة “المنفعة العامة”، معتبراً أن القرار يمس حقاً أصيلاً في السكن ويهدد النسيج الاجتماعي للمنطقة.

وأوضح رمضان أن الطعن يستند إلى عدم توافر ركن المنفعة العامة في المشروع، مشيراً إلى أن المنطقة تضم طريقاً قائماً بالفعل، وأن إنشاء طريق جديد “لا يرتبط بمصلحة عامة حقيقية، بل يأتي لخدمة مشروع سياحي خاص”.

كانت الحكومة قد نشرت نص قرار رئيس مجلس الوزراء في 22 أكتوبر 2025 الخاص بنزع ملكية أراضي أهالي طوسون لتنفيذ طريق بطول 23 كيلومتراً ومحطة كهرباء السكاكين، وأرفقت القرار بمذكرة تعويضات بلغت مليارا و262 مليون جنيه لأصحاب 596 قطعة أرض، ليصل متوسط التعويض عن كل عقار أو قطعة أرض إلى مليونين و117 ألف جنيه.

 

دعاوى ضد قانون الإيجار القديم

وفي سياق الاعتراض على التشريعات، قُيّدت سجلات المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر 2025 أول دعوى دستورية للطعن على قانون تنظيم أوضاع الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025، والتي أقامها ورثة المواطن حاتم السجيني بعد التصريح لهم بإقامة الدعوى من محكمة شمال الجيزة الابتدائية، على خلفية نزاعهم مع مالكة العقار محل الإقامة.

وتُعد هذه الدعوى الأولى من نوعها التي تطالب بعدم دستورية بعض نصوص القانون الجديد الصادر في أغسطس 2025، الهادف إلى تسوية الأوضاع بين الملاك والمستأجرين في نظام الإيجار القديم.

كما أقام فتحي الغيطاني، عضو اتحاد المحامين والمفوّض من اتحاد المستأجرين، في 4 ديسمبر 2025 الدعوى الدستورية رقم 40 لسنة 47 دستورية، بتصريح من محكمة بنها الابتدائية، طعناً على المواد 2 و5 و6 و9 من القانون ذاته.

 

مواجهات عمالية في ساحات القضاء

لم يقتصر كفاح المواطنين على البيئة والسكن، بل امتد أيضاً إلى الحقوق العمالية والمستحقة. فقد حصلت ست عاملات بشركة الحناوي للدخان والمعسل على حكم قضائي بإلزام الشركة بدفع تعويض يزيد عن مليون جنيه نتيجة فصلهن تعسفيًا، بما في ذلك مستحقات الإجازات ومقابل مهلة الإخطار.

كما حصلت مواطنة من الإسكندرية على تعويض قدره 10 ملايين جنيه من شركة أورنج للاتصالات، بعد أن تعرضت لانتهاك بياناتها الشخصية ومحاولة ابتزاز للضغط عليها للتنازل عن دعاوى قضائية كانت قد رفعتها سابقًا.

وفي قضية أخرى، واجه العاملون بالإدارة المركزية للتشجير بوزارة الزراعة تحدياً طويل الأمد، إذ لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثلاث سنوات رغم حصولهم على حكم قضائي بالتثبيت في عام 2021. دفع هذا الموظفين إلى التظاهر داخل مقر الوزارة، مطالبين بحقوقهم المشروعة،

وقالت سناء فتحي، إحدى الموظفات، إنها ملتزمة بالحضور والانصراف يومياً وفق مواعيد العمل الرسمية منذ صدور قرار التعيين، موضحة أن عدد الموظفين الذين جرى تعيينهم بأحكام قضائية ولم تُصرف رواتبهم منذ ثلاث سنوات يبلغ نحو 2400 موظف في مختلف قطاعات وزارة الزراعة، في ظل أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

 

القضايا الوطنية والحقوق العامة

لم تقتصر المواجهات القانونية على الحقوق الفردية، بل شملت أيضاً القضايا الوطنية والحقوق العامة.

ففي مايو 2025، تقدم نحو 60 محامياً بطعن أمام محكمة القضاء الإداري ضد قرار نشر اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي بموجبها نُقلت السيادة على جزيرتي تيران وصنافير. طالب المحامون بإلغاء قرار النشر ووقف تنفيذه لمخالفته للدستور، مؤكدين دور المحامين في الدفاع عن الحقوق الوطنية.

وفي الوقت نفسه، نظم المحامون وقفات احتجاجية ضد الرسوم القضائية الجديدة التي أقرتها المحاكم، معتبرين أن هذه الرسوم قد تمنع المواطنين من الوصول إلى العدالة.

توضح هذه القضايا مجتمعة أن المواطن لم يعد متفرجاً على الانتهاكات البيئية والاجتماعية أو التشريعات المجحفة، بل أصبح يسعى بحزم لاستخدام القضاء وساحات المحاكم كأداة للمساءلة والدفاع عن حقوقه.

 

 

أضف تعليقك
شارك