في أول يوم زيارة لحديقة طوكيو في حلوان بعد تطويرها، انكسرت فرحة الأطفال والكبار الذين خرجوا للاستمتاع بإجازة نصف العام، بعدما فوجئ الزوار بقائمة ممنوعات شملت منع دخول الأطعمة والمياه والعصائر ودراجات الأطفال، بل وإجبار الأسر التي تصطحب أطفالاً أقل من أربع سنوات على دفع تذكرة دخول لهم.
ومع الاعتراض، كان الرد الجاهز على بوابة الحديقة: “دي تعليمات والله”.
مشهد كارثي
مشهد نقله علاء عبد الله عبر إحدى صفحات حلوان على موقع فيسبوك، بعد نحو أسبوع من افتتاح وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة الدكتورة منال عوض، ومحافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، والسفير الياباني بالقاهرة إيواي فوميو، المرحلة الأولى من أعمال تطوير كورنيش حلوان، والتي تضم حديقة طوكيو.
وكان محافظ القاهرة قد أوضح أن المشروع يعيد لمدينة حلوان مكانتها، مشيداً بدور صندوق “تحيا مصر” من خلال شركة تحيا مصر القابضة في تمويل وتطوير المشروع، ليكون نموذجاً للاستثمار في الأصول العامة وتعظيم قيمتها الاقتصادية، وفق ما جاء في بيان حكومي صادر في 17 يناير 2026.
لكن بعد أسبوع واحد فقط، بدا أن “تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول العامة” لا ينصب إلا على جيوب المواطنين، مع فرض قائمة ممنوعات زادت الأعباء المالية على شرائح اجتماعية عديدة خرجت بحثاً عن فسحة منخفضة التكلفة، في ظل الغلاء المتوحش الذي تشهده البلاد.
وخلال السنوات العشر الماضية، قفزت تكاليف المعيشة في مصر بشكل غير مسبوق، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من 310% منذ عام 2015، في حين لم تشهد الأجور زيادات مماثلة، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وزيادة الضغوط على ميزانيات الأسر، وفق تقديرات مؤسسة “فوكوس إيكونوميكس” وتقارير التضخم الصادرة عن البنك المركزي المصري.
وتشير هذه البيانات إلى أن ما كان يُشترى بـ100 جنيه في 2015، يحتاج اليوم إلى أكثر من 400 جنيه، بحسب تقارير اقتصادية حديثة نُشرت في أواخر 2025.
فسحة مكلفة
ضمن دوائر هذا الغلاء، جاءت فاتورة زيارة حديقة عامة في مصر بأعباء مالية إضافية، في وقت تُفتح فيه الحدائق العامة في دول مثل بريطانيا بالمجان.
ويقول وائل عباس، المصري المقيم في لندن، إن منع إدخال الأطعمة والمشروبات والدراجات في حديقة طوكيو بحلوان أمر غير مبرر.
وأضاف عباس، عبر حسابه على فيسبوك: “بمناسبة منع الناس من دخول الحدائق بالأكل والدراجات في حديقة طوكيو في حلوان، الضاحية الشعبية، الناس رجعت بعيالها وأكلها محبطين، علشان إدارة الحديقة والسبوبة.. أنا والعائلة في إحدى حدائق بريطانيا واخدين أكل بيتي عادي، ممكن يكون فيه حلة محشي”.
وتابع: “الحديقة من غير سور ومن غير تذكرة، ومجانية تماماً، وفيها جيم مجاني، والدراجات مسموحة.. نيجي إحنا في بلد المحشي ونمنع الناس علشان نضطرهم يشتروا من كشك الجبنة السايحة والنوتيلا المضروبة”. وعلقت شروق محمد قائلة: “هو ناقص يبيعوا لنا الهوا”.
في المقابل، رأت هاجر الرمالي أن المنع يرجع إلى السلوكيات المجتمعية، قائلة: “المشكلة كمان في الناس، في اللي يدخل ويفرش ويأكل ويمشي ويسيب الزبالة، وده مالوش علاقة بمستوى مادي أو اجتماعي”.
شكاوى متكررة
غير أن هذا الرأي لم يجد دعماً واسعاً، إذ طغت شكاوى العشرات عبر منصات التواصل الاجتماعي رفضاً لمنع إدخال الأطعمة والمياه والدراجات، معتبرين أن الهدف هو إجبار الزوار على الشراء من المتاجر الداخلية بأسعار مرتفعة.
وكتب علاء عبد الله تفاصيل تجربته قائلًا: “حديقة طوكيو اتجدّدت وافتتحها مسؤولين كبار وسط فرحة الناس، لكن في أول زيارة كسروا فرحة الأطفال والكبار بقائمة ممنوعات غير مبررة”
وأضاف: “ممنوع أكل ومياه وعصير ودراجات أطفال، حتى الساندوتشات، والأسرة اللي معاها طفل أقل من 4 سنين تدفع له تذكرة”.
ووصف المشهد قائلاً: “الناس ماشية تحسبن عليهم، وكل اللي بيتقال: دي تعليمات. طب فين اللائحة؟ ممنوع. طب نكلم الإدارة؟ ممنوع”.
وحذر من التكلفة المرتفعة قائلاً: “الحديقة مش مناسبة للعائلات إلا لو هتشتروا كل حاجة من الكافيتريات، من أول زجاجة المياه”.
وقالت أميرة محمد:”ممنوع أكل وميه للأطفال بحجة الحفاظ على جمال الحديقة، لكن الكلاب مالية المكان عادي”.
وقرر أحمد السبعاوي الامتناع عن الزيارة وقال: “كنت ناوي أروح، لكن التعليقات خلتني أراجع نفسي. إزاي أروح من غير أكل أو شرب أو حتى كورة للعيال؟ حديقة الأزهر أحسن مليون مرة”.
نار الغلاء
وامتدت الشكاوى إلى الأسعار المرتفعة داخل الحديقة، إذ قالت سارة حسيني:”يعني إيه جنينة من غير كورة وأكل وكافيه واحد غالي؟”.وأكد تامر محمد: “ممنوع تدخل أي حاجة، والأسعار جوه مولعة نار”.
وقالت نور درغام: “ليه أجيب شاي بـ25 جنيه وقهوة بـ45 جنيه؟ والأطفال بتلعب وتجري وتبقى جعانة، إيه التهريج ده”.
وسخرت قائلة: “بالإجبار هتشتري من الكافتيريا، والأسعار الضعف. في ساعتين ممكن تصرف أكتر من 400 جنيه، مع إن دي حديقة عامة”.
وقالت بسمة حسام: “المكان جميل، لكن أسوأ حاجة الأكل والأسعار المبالغ فيها. يعني إيه أقعد طول اليوم على كيس شيبسي؟”.
نماذج مغايرة
وعلى بُعد كيلومترات من حديقة طوكيو، تقدم حدائق عامة أخرى نموذجاً مغايراً لإدارة الفسحة العامة.
فحديقة الأزهر، التي تُعد من أكبر الحدائق العامة في العاصمة، تسمح بدخول الزوار لمساحات خضراء واسعة وتتوفر فيها مرافق عائلية مقابل رسوم دخول معتدلة، بينما يمكن أيضاً التردد على حدائق آخرى بأسعار رمزية أو في أوقات خاصة.
وتشير تقارير صحفية إلى وجود نحو 300 حديقة عامة في محافظة القاهرة تقدم بيئة مناسبة للفسح بأسعار متفاوتة، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول عدم تطبيق سياسات أقل تكلفة في حدائق حديثة مثل طوكيو بحلوان.
مخالفة للدستور
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تخالف المادة 45 من الدستور المصري، التي تكفل حق كل مواطن في التمتع بالمساحات الخضراء، وتلزم الدولة بحمايتها وتنميتها في الحضر.
وتشير بيانات رسمية إلى وجود نحو 1800 حديقة ومنتزه عام في مصر، بمساحة إجمالية تقارب 5.37 مليون متر مربع، تتركز أغلبها في القاهرة، بينما تعاني محافظات أخرى من ندرتها أو غيابها.
وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد أعلن في 2014 أن عدد الحدائق يبلغ نحو 2.6 ألف حديقة، دون صدور تحديثات رسمية لاحقة توضح حجم التغير في الرسوم أو السياسات بعد موجات التطوير المتلاحقة.
وتشير تقارير محلية إلى أن مصر تحتاج نحو 57 مليون متر مربع من المساحات الخضراء، بينما لا يتجاوز المتوفر فعليًا 5.4 مليون متر مربع، أي أقل من 10% من الاحتياج الفعلي، ما يعكس اتساع الفجوة مع التوسع في المولات والأماكن المغلقة مرتفعة التكلفة.
وبين مساحات خضراء تتقلص لصالح استثمارات الكبار، وحدائق عامة تتطور على حساب حقوق الفقراء، تتسع فجوة اجتماعية تؤكدها ممارسات رسمية وغير رسمية، ليبقى العنوان الأبرز:”الفسح ليست للغلابة”.