صور ذويهم المحتجزة أو المفقودة في ليبيا، تحملها عشرات الوجوه الحزينة، أحدهم سيدة عجوز تحتضن صورة نجلها بشدة، في تجمع غير مسبوق أمام وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة.
تجمعات متكررة لمواطنين،أمام مقرات وزارة الخارجية في العاصمة الإدارية وعلى كورنيش النيل، شهدت رفع لافتات مكتوب عليها بلغة موجوعة: “ولادنا لازم ترجع من ليبيا”.
مأساة
تتحرك الأسر المتضررة ببطء أمام المبنى الضخم الذي بُني من أموال دافعي الضرائب، بين شعور الخوف والقلق للقاء مسؤول بالوزارة، بحسب ما يكشفه مقطع فيديو متداول، رصدته “أحوال مصرية”.
أحد المشاركين في واحدة من التجمعات رفض ملء بيانات عن حالات ذويهم وحذر الموجودين أثناء حديثه مع شخص يبدو مسؤولاً بالوزارة: “كل مرة نملي ورق عشان ولادنا ونمشي ويقولونا روحوا ما تزعلش منا يا باشا، المسؤول في أي دولة يجب أن يهتم بالمواطن.. احنا طلعنا له كتير ومحصلش حاجة”.
وبحزن يضيف: “عايزين حد يكلمنا ويرحمنا ويرحم الأمهات اللي بتموت، محدش مهتم بينا من شهور”.
وتدعمه سيدة قائلة: “مش هنتحرك من هنا”، ورد الموظف: “اللي انتِ عايزاه يا أمي هنعمله لك دول ولادنا”.
وأجاب الشخص مجدداً: “ولادكم يبقه بالفعل مش بالكلام”.
تزداد المأساة عندما يتحدث أحد الحضور لموظفي الخارجية، موضحاً أن بعض المصريين المحتجزين أو المفقودين في ليبيا قضوا 6 أشهر وسنة، بينما آخرون يقاربون عامهم الخامس، مضيفاً: “عايزين نوصل صوتنا للرئيس، هناك ناس من الشرقية والقليوبية والفيوم وأسيوط، عايزين ولادنا يرجعوا من ليبيا إحنا بنموت”.
كشف أحدهم أن بعض المصريين محتجزون في طبرق في قبضة مهربين، مستدلاً على ذلك بوجود تسجيلات صوتية تتضمن تهديدات والمطالبة بفدية مالية.
كارثة متكررة
رغم انتهاء التجمع، لم تنتهِ مأساة المصريين المحتجزين أو المفقودين في ليبيا، فمقاطع الفيديو التي تحمل استغاثات لإطلاق سراحهم أو كشف مصيرهم تتكرر شهرياً.
كان آخرها لسيدة مصرية تخاطب وزير الداخلية الليبي قائلة: “حرام عليكم، السجون عندكم مليانة مصريين رحلوهم لمصر”.
وجاء التجمع رغم إعلان وزارة الخارجية المصرية في 27 نوفمبر الماضي نجاحها في استعادة 131 مواطناً مصرياً كانوا محتجزين في ليبيا، عبر رحلة من طرابلس.
وكشفت الوزارة عن جهودها منذ بداية عام 2025، موضحة أن الإجمالي الكلي للمواطنين المستعادين من ليبيا بلغ 2632، منهم 1132 من طرابلس والمنطقة الغربية، وأكثر من 1500 من بنغازي والمنطقة الشرقية.
ونبهت الوزارة إلى ضرورة الالتزام بالطرق الشرعية والقانونية عند السفر، محذرة من الانجرار وراء عصابات الهجرة غير الشرعية التي تُعرض حياة المصريين للخطر.
ورغم ذلك، استمرت محاولات المصريين للهجرة هرباً من الفقر والبحث عن فرص أفضل، ما أوقعهم أحياناً في الغرق أثناء رحلاتهم إلى أوروبا.
ففي 7 ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الخارجية المصرية متابعة حادث غرق مركب هجرة غير شرعية متجه من ليبيا إلى اليونان، كان على متنه 34 شخصاً، بينهم 14 مواطناً مصرياً لقوا حتفهم، ولا يزال 13 آخرون مفقودين.
وقال السفير عمر عامر، سفير مصر لدى اليونان، إن أعمار الضحايا تتراوح بين 13 و18 سنة، مشيراً إلى أن ناجين اثنين من الحادث يتلقون الرعاية الصحية والنفسية.
الاختطاف يعد أحد أبرز الجرائم التي يواجهها المصريون في ليبيا، وآخرها كان اعتراف ليبي في نوفمبر 2025 بإعلان مديرية أمن إجدابيا إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز على يد المهربين.
أرقام صادمة
أعلنت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في مايو 2025 أن معظم مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا تخضع لسيطرة جماعات مسلحة غير خاضعة للمساءلة، وتشمل الانتهاكات الاكتظاظ الشديد، والضرب، والتعذيب، ونقص الطعام والماء، والعمل القسري، والاعتداء الجنسي واستغلال الأطفال.
وأشار “المجلس الوطني للحريات” الليبي في سبتمبر إلى تحديات إنسانية جسيمة أبرزها طول فترة بقاء المهاجرين المحتجزين نتيجة تأخر بعض السفارات عن إصدار وثائق السفر أو استقبال رعاياها، مما يشكل عبئاً مضاعفاً على الدولة الليبية والعاملين بالمراكز.
في نوفمبر الماضي، أجرت السفارة المصرية في طرابلس جولة تفقدية إلى مركز إيواء “بئر الغنم”، حيث بلغ عدد المحتجزين المصريين 176 شخصاً، أقدمهم موقوف منذ شهرين فقط.
وفي معاينة سابقة في سبتمبر، أظهر المركز وجود 600 مهاجر من جنسيات متعددة، بينهم مصريون ومغاربة ويمنيون وغيرهم.
وفي يونيو 2023، كشف اللواء إبراهيم الشهيبي، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي، عن القبض على نحو 4000 مصري داخل مخازن تهريب إلى إيطاليا، تم ترحيل نصفهم ممن لا يملكون وثائق رسمية.
وبحسب البيانات المتاحة، من بين نحو 58 ألف مهاجر غير شرعي وصلوا إلى سواحل لامبيدوزا حتى 26 أكتوبر 2025، هناك 7,904 مصريين (بما فيهم أطفال وقصر). وخلال الفترة من 2021 حتى 2025، وصل نحو 66.7 ألف مهاجر مصري إلى أوروبا بطريقة غير شرعية.
وفي عام 2021 وحده، تم توقيف أكثر من 26 ألف مصري على الحدود الليبية، وفق معطيات الاتحاد الأوروبي. مصر احتلت المركز الخامس بين الدول المصدرة للمهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، قبل أن تصعد للمركز الأول في 2022، ثم الثالث في 2023، والسادس في 2024.
ورغم توقف الهجرة غير الشرعية من السواحل المصرية منذ 2016، فإن تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أكدت استمرار وصول المصريين إلى أوروبا عبر ليبيا نتيجة الأزمة الاقتصادية وارتفاع التضخم.