أثارت تسريبات متداولة في الأوساط القضائية حالة واسعة من الغضب والقلق، على خلفية الحديث عن صدور قرار مرتقب بإلغاء مكتب التعيينات التابع لمكتب النائب العام، وإسناد ملف التعيينات – وربما الترقيات – إلى الأكاديمية العسكرية.
واعتبر قضاة هذه الخطوة مساساً مباشراً باستقلال السلطة القضائية، وتحولاً خطيراً في طريقة إدارة القضاء لشؤونه الداخلية، بما يهدد أحد أهم ركائز الفصل بين السلطات.
وبحسب ما نقله موقع “مدى مصر” عن مصادر مطلعة، فإن هذه التطورات لا تمثل مجرد تعديل إداري محدود، بل تغييراً بنيوياً يمس جوهر استقلال القضاء، وهو ما دفع إلى تحركات تصعيدية غير مسبوقة داخل الوسط القضائي، لمواجهة ما وُصف بـ”أمر جسيم” يهدد بنيان العدالة في مصر.
تسريب اجتماع رئاسي يشعل الأزمة
وتعود جذور الأزمة إلى تسريب تفاصيل اجتماع عُقد يوم الخميس 15 يناير 2026 بمقر رئاسة الجمهورية، جمع مدير مكتب رئيس الجمهورية المستشار عمر مروان، وزير العدل السابق، برؤساء الهيئات والجهات القضائية.
وعُقد الاجتماع لإبلاغ الحاضرين بتعليمات جديدة تتعلق بآليات التعيين والترقية لأعضاء النيابة العامة والهيئات والجهات القضائية، دون حضور رئيس الجمهورية بصفته رئيس المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وهو ما أثار تساؤلات داخل الأوساط القضائية حول طبيعة القرارات المطروحة وطريقة تمريرها.
وخلال الاجتماع، أبدى المستشار عاصم الغايش، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى، اعتراضاً صريحاً على ما تم عرضه، معتبراً أن هذه الخطوات تمثل مساساً مباشراً باستقلال القضاء، وتجريداً لمؤسساته من اختصاصاتها الدستورية والقانونية.
وشهد الاجتماع مواجهة حادة بين الغايش والمستشار عمر مروان، حيث رد الأخير على اعتراض رئيس مجلس القضاء الأعلى بالقول: “هذا قرار سيادي صادر من رئاسة الجمهورية، والموضوع انتهى ونحن بصدد تنفيذ الإجراءات”، وهي عبارة اعتبرها قضاة مؤشراً على حسم الأمر دون تشاور حقيقي مع السلطة القضائية، بحسب “مدى مصر”.
تداعيات مباشرة على التعيينات
ولم تتوقف تداعيات الاجتماع عند حدود النقاش، إذ أعقبه صدور تعليمات بوقف الاختبارات واللقاءات الخاصة بالتفتيش القضائي لتعيين دفعة 2024 في النيابة العامة، والتي فُتح باب القبول لها في ديسمبر 2025، لوظيفة معاون نيابة عامة من خريجي كليات الحقوق والشرطة والشريعة والقانون.
ووصل بعض المتقدمين إلى مرحلة العرض على التفتيش القضائي، بينما تجاوزها آخرون، قبل صدور قرار الإيقاف المفاجئ.
وفي هذا السياق، قال محمد محمود شكري، المحامي، عبر حسابه الشخصي على “فيس بوك”:
“دفعة 2024 نيابة عامة تم تأجيل جميع مقابلات التفتيش القضائي القادمة، واللي عمل المقابلة هيعيدها، وسيتم استكمالها بمعرفة الأكاديمية العسكرية”.
وأكد المعنى ذاته أحمد المحمدي، المحامي، عبر حسابه على “فيس بوك”، قائلًا:”المعلومة المؤكدة أن مقابلات التفتيش القضائي دفعة 2024 أُلغيت، وستكون في الأكاديمية، والمجلس الأعلى للقضاء ما زال يناقش الأمر”.
وبحسب إعلان النيابة العامة الصادر في 4 ديسمبر 2025، فإن شروط التقدم لوظيفة معاون نيابة تتضمن اجتياز المقابلة الشخصية التي يجريها المجلس الأعلى للقضاء، للتأكد من الأهلية والصلاحية والسمات الشخصية، إلى جانب اجتياز الفحوصات الطبية والدورات التدريبية والاختبارات المقررة، وفقًا للضوابط التي يقرها المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية.
تحرك نادي القضاة ودعوة لجمعية عمومية
في خضم هذه الأجواء المشحونة، اجتمع مجلس إدارة نادي القضاة يوم الأربعاء 21 يناير 2026، بناءً على دعوة طارئة من المستشار أبو الحسين قائد، رئيس النادي، لمناقشة ما وصفه بـ”أمر جسيم” يتردد في أروقة القضاء ويمس شؤونه.
وصوّت المجلس على عقد جمعية عمومية طارئة يوم السادس من فبراير المقبل، معلناً دخوله في حالة انعقاد دائم لحين حسم الأزمة، في ظل ما يتم تداوله من مساس باستقلال السلطة القضائية.
ورغم خطورة التطورات، لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من رئاسة الجمهورية أو وزارة العدل أو الأكاديمية العسكرية.
تدخلات سابقة وانتقادات مستمرة
ولا تُعد هذه الأزمة الأولى من نوعها، إذ سبق أن أثار تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي انتقادات واسعة.
ففي 22 أبريل 2023، استحدث مجلس الوزراء شرطاً يُلزم جميع المعينين في قطاعات وجهات وهيئات الدولة بالحصول على دورة تأهيلية في الأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر، بما في ذلك المعينون الجدد في الهيئات القضائية.
وعقب ذلك، فرضت الأكاديمية رسوماً إلزامية بلغت 112 ألف جنيه للإناث و120 ألف جنيه للذكور، اعتباراً من يناير 2025، لتدريب المعينين بالجهات والهيئات القضائية.
وقد طُبق هذا القرار بالفعل، ما دفع مؤسسات حقوقية، من بينها المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، إلى انتقاد هذه التدريبات، معتبرة أنها تمثل مساسًا بالمكون القضائي لأعضاء السلطة القضائية.
انتقادات دستورية وحقوقية
ويرى قانونيون أن هذه التوجهات تتعارض مع المادة الخامسة من الدستور المصري، التي تنص على الفصل بين السلطات والتوازن بينها.
واعتبر ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن ما يتم تداوله – إذا ثبتت صحته – يمثل “جريمة مكتملة الأركان بحق السلطة القضائية”، وانتهاكًا صارخًا للدستور، وإخضاعًا للقضاء للسلطة التنفيذية.
وأكد أنه لا يوجد في الدستور أو القوانين المصرية، ولا في المواثيق الدولية، ما يجيز إخضاع القضاة لمسار تعيين أو ترقية عسكري، أو ربط مستقبلهم الوظيفي بجهة تنفيذية أو أمنية.
ردود فعل قانونية وإعلامية
وتوالت التعليقات من محامين وصحفيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصف المحامي محمود سويلم الأزمة بأنها “جرس إنذار يتجاوز مجرد نصوص تشريعية، ويمثل معركة للحفاظ على هيبة القانون”.
فيما رأى آخرون أن النزاع يعكس صراعًا أوسع بين السلطات داخل الدولة، محذرين من تداعياته على مستقبل استقلال القضاء.
وفي السياق ذاته، أشار الصحفي المتخصص في شؤون القضاء محمد بصل، في منشورات وتعليقات سابقة، إلى أن ما يجري يعيد إلى الأذهان أزمات سابقة شهدها القضاء المصري عند إدخال تعديلات جوهرية على آليات إدارته، محذرًا من أن أي مساس باستقلال السلطة القضائية يترك آثاراً عميقة على بنية الدولة وسيادة القانون.