لم تتوقف الحكومة المصرية عند صفقة واحدة، بل تتابع خطواتها في طرح وبيع الأراضي الساحلية كأحد المسارات الأساسية لمواجهة الضغوط المالية المتزايدة والديون الباهظة.
من شمال البلاد إلى شرقها، باتت الأراضي تُعامل باعتبارها أصولاً استراتيجية قابلة للتسييل، في إطار سياسة توسعت تدريجيا منذ فبراير 2024.
شاطئ الغرام
وفي أحدث تجليات هذه السياسة على الأرض، برز شاطئ الغرام بمحافظة مطروح كمشهد جديد لتطبيق هذه التوجهات، حيث بدأت عمليات الإخلاء وصدرت قرارات بوقف أي أنشطة بالمنطقة، بالتوازي مع استعداد الحكومة لطرح مناطق أخرى، من بينها رأس بناس على ساحل البحر الأحمر.
وعلى الأرض، انعكست هذه القرارات مباشرة على سكان منطقة شاطئ الغرام، إذ كشف الأهالي عن بدء إخلاء 7 قرى كاملة، بعدما طالبت المحافظة أصحاب الشقق والعقارات بإخلائها مقابل تعويضات تتراوح بين 75 و95 جنيهاً للمتر، بما يعادل بين 300 و400 ألف جنيه للفدان.
ولم تقتصر التداعيات على السكان، فقد تلقى نادي الزمالك خطاباً رسمياً من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بوقف أي مشروعات له في المنطقة، فيما وصل الخطاب نفسه إلى 36 جهة أخرى بين أندية وهيئات حكومية كانت تتخذ من الشاطئ مقراً صيفياً لعقود.
رأس بناس
على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، تستعد الحكومة أيضاً لطرح منطقة رأس بناس أمام المستثمرين خلال عام 2026، بهدف تحويلها إلى وجهة سياحية واستثمارية تمتد بطول يقارب 50 كيلومتراً.
وأوضح مصدر حكومي لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية أن الحكومة لن تطرح رأس بناس في صفقة واحدة، بل سيتم تقسيم المنطقة إلى عدة مشروعات محددة تُعرض على المستثمرين بشكل متدرج طوال عام 2026، في إطار خطة تهدف إلى استثمار الأصول بشكل تدريجي ومنظم.
تأتي هذه الخطوات في ظل تراكم الدين الخارجي المصري إلى 161.2 مليار دولار، وهو ما دفع الحكومة إلى اللجوء إلى سياسة مبادلة الديون بالأصول، وعلى رأسها الأراضي المميزة على سواحل البحرين المتوسط والأحمر.
ورغم تأكيد الحكومة أن هذه الصفقات تندرج ضمن الاستثمار الأجنبي المباشر، يرى خبراء التمويل أن هذا الأسلوب يعكس صعوبة سداد الديون بالطرق التقليدية ويضع الدولة أمام خيارات محدودة للغاية.
توسع الصفقات
ولا يأتي ما يحدث في شاطئ الغرام ورأس بناس بمعزل عن مسار أوسع بدأته الحكومة في التعامل مع الأراضي الساحلية كأداة لمعالجة الضغوط المالية، ففي 23 نوفمبر 2024 أعلنت الحكومة عن بيع 170 مليون متر مربع لإنشاء مدينة رأس الحكمة الجديدة بمحافظة مطروح، لصالح شركة أبوظبي القابضة الإماراتية مقابل 35 مليار دولار.
وقال رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، على هامش توقيع الصفقة آنذاك، إن الاتفاق تضمن تنازل الإمارات عن 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري، والتي كانت مسجلة كجزء من الدين الخارجي، في خطوة اعتُبرت نموذجاً لمعادلة مبادلة الديون بالأصول التي توسعت فيها الحكومة لاحقاً.
ومع استمرار هذا النهج الاقتصادي، اتسعت دائرة القرارات المرتبطة بإعادة توظيف الأصول العامة، حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 4 يونيو 2025، القرار الجمهوري رقم 303، بتخصيص مساحة تُقدَّر بنحو 41,515.55 فداناً من الأراضي المملوكة للدولة على ساحل البحر الأحمر، لصالح وزارة المالية، لاستخدامها في خفض الدين العام وإصدار الصكوك السيادية.
وتمتد هذه المساحة من منطقة رأس شقير إلى رأس جمسة جنوب خليج السويس، وهي منطقة تُعد من أكبر تجمعات الشعاب المرجانية البكر في العالم، وتضم ميناء برنيس القديم، وتقع قبالة مدينة ينبع السعودية، وفق منشورات وزارة البيئة المصرية وشركات السياحة العاملة بالمنطقة.
وعلّقت وزارة المالية على القرار بأن الهدف من هذا التخصيص هو استخدام الأراضي كضمانة مالية ضمن أدوات خفض المديونية الحكومية، مؤكدة أن ذلك يتم دون نقل ملكية الأرض لأي جهة، وأن الأراضي ستظل تحت الملكية الكاملة للدولة المصرية.
وفي 7 سبتمبر 2025، أعلن مجلس الوزراء توقيع اتفاقية لإنشاء مشروع سياحي متكامل على مساحة 10 ملايين متر مربع على ساحل البحر الأحمر، بشراكة سعودية إماراتية، فيما أعلن جمال بن سنية، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية، أن المشروع المعروف باسم “مراسي رد سي” سيشهد ضخ استثمارات تتجاوز 900 مليار جنيه، أي نحو 18.5 مليار دولار، بالتعاون مع شركة سيتي ستارز السعودية.
وفي 6 نوفمبر 2025، وقعت الحكومة صفقة أخرى لبيع 4900.99 فدان لشركة الديار القطرية، في منطقة سملا وعلم الروم بالساحل الشمالي الغربي لمحافظة مطروح، بإجمالي استثمارات بلغ 29.7 مليار دولار، حيث شملت الصفقة 3.5 مليار دولار نقداً، إضافة إلى وحدات سكنية بقيمة متوقعة 1.8 مليار دولار، مع تخصيص 15% من أرباح المشروع لصالح هيئة المجتمعات العمرانية.
وخلال مفاوضات على هامش منتدى دافوس في الرياض، رفضت السعودية سداد قيمة صفقة استغلال وإدارة منطقة رأس جميلة نقداً بالدولار، وطلبت مبادلة الديون بالأراضي دون ضخ أموال جديدة، على غرار صفقة رأس الحكمة.
الأصول مقابل الديون
هذه السياسات فتحت باباً واسعاً للانتقادات الاقتصادية، حيث قال الدكتور حسن الصادي الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، إن ما تفعله الحكومة يعد مبادلة للأصول بالديون، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب لا يتم إلا عند عدم القدرة على سداد المديونيات.
وأوضح أستاذ اقتصاديات التمويل أن الدائنين حصلوا على أفضل مواقع جغرافية وأفضل مشروعات استثمارية كانت تضخ إيرادات في الموازنة العامة للدولة.
وأضاف “الصادي: أن بعض الدائنين حصلوا على أصول الدولة وأعادوا بيعها لاحقاً بقيمة تتجاوز سعر الشراء بأربعة أضعاف، مستشهداً بصفقة شراء الصندوق السيادي السعودي 19.3% من شركة الإسكندرية للحاويات عام 2022 مقابل 3 مليارات جنيه، وبيعها لمجموعة موانئ أبوظبي في نوفمبر 2025 مقابل 13.2 مليار جنيه، بعد توزيعات نقدية بلغت 4.1 مليار جنيه.
في السياق، أكد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن مبادلة الدين بأصول عامة ليست استثماراً مباشراً، لأنها تمنح المالك الجديد حرية التصرف في الأرض دون أي التزام بخطط استثمارية محددة، وهو مافعلته الحكومة في صفقة بيع أراضي رأس الحكمة لصندوق الاستثمار الإماراتي، مشيراً إلى أن التوسع في هذا النهج يبعث رسائل سلبية للمستثمرين حول قدرة الدولة على الوفاء بالديون.
غضب واسع
وعلى الجانب الشعبي، عبّر مواطنون عن غضبهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن بيع الأراضي الساحلية يمس الأمن القومي والحق العام، ويهدد بحرمان ملايين المصريين من الوصول إلى السواحل.
ورأى المواطن وائل البيلي أن المناطق الحدودية يجب الحفاظ عليها كأمن قومي، فيما وصف عماد السيد مشروع مراسي البحر الأحمر بأنه مؤشر على نقل سيادة مقنّع.
كما اعتبر المحامي محمد عباس أي بيع للأراضي الاستراتيجية لأجانب مخالفاً للدستور، فيما حذر المحامي ربيع عويس من أن هذا التوسع قد يمتد مستقبلاً لشواطئ النيل والمنشآت العامة.
وانتقد الصحفي محمد علي خير هذه السياسات، قائلاً: “البحر للغلابة أيضاً”، محذراً من حرمان ملايين المواطنين من الوصول إلى السواحل.
وبين الرواية الرسمية التي ترى هذه الصفقات استثماراً منظماً للأصول، والرؤية الناقدة التي تعتبرها ثمنا مباشراً لأزمة ديون متفاقمة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل السواحل المصرية وحدود استخدام الأراضي العامة، ومدى قدرة هذه المشروعات على تحقيق عائد مستدام للاقتصاد.