“سيادة محافظ الجيزة.. الناس هنا بتحمّلك المسؤولية.. ليّا أقارب في البيت اللي وقع، والناس من الساعة 10 الصبح تحت الأنقاض، ده يرضي ربنا؟”.. بهذه الكلمات الموجوعة عبّر حسن محفوظ، عبر صفحته على موقع فيسبوك، عن صدمة أهالي منطقة إمبابة بعد انهيار عقار مكوّن من خمسة طوابق كانت تقطنه سبع أسر، وأسفر عن سقوط قتلى ومصابين ووجود آخرين تحت الأنقاض.
الصرخة التي أطلقها محفوظ انتشرت سريعاً، ودَفعت مسؤولين إلى التحرك ميدانياً في اليوم نفسه، الموافق 23 ديسمبر الماضي.
وبعد ساعات من بث الفيديو الأول، عاد محفوظ للظهور في مقطع جديد دعا فيه إلى عدم “المزايدة” على وجود المسؤولين، لكنه وجّه في الوقت نفسه عتاباً مباشراً لمحافظ الجيزة المهندس عادل النجار، مؤكداً أن العقار كان من بين منازل آيلة للسقوط، وكان من المفترض إخلاؤه قبل الكارثة، إلا أن ذلك لم يحدث وبقي السكان داخله حتى لحظة الانهيار.
حادث إمبابة لم يكن معزولاً، بل كشف مجدداً عن أزمة مزمنة تتكرر في محافظات عدة، تتمثل في عدم تنفيذ قرارات الإزالة الصادرة بحق العقارات المخالفة أو الآيلة للسقوط، وتركها قائمة حتى تتحول إلى مقابر جماعية لسكانها.
ورغم قيام محافظ الجيزة بتفقد موقع الحادث، وزيارة المصابين، والإشراف على رفع الأنقاض، لم يصدر حتى الآن أي قرار واضح بشأن تنفيذ إزالات للمنازل الآيلة للسقوط بنطاق المحافظة، كما لم يقدم محافظون آخرون على خطوات مماثلة، رغم تكرار الحوادث خلال السنوات الأخيرة، بما فيها هذا العام.
تحرك بعد الكارثة
وأكد أحد شهود العيان أن سكان العقار المنهار كانوا يعانون منذ فترة من تصدعات واضحة في الجدران والأسقف، وتقدموا بشكاوى سابقة إلى الحي، إلا أن الإجراءات لم تُستكمل، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية.
ومع نشر الصفحة الرسمية لمحافظة الجيزة صور تفقد المحافظ لموقع العقار المنهار، توالت شكاوى المواطنين التي كشفت حجم الأزمة في مناطق أخرى بالمحافظة.
وقال الحاج محمود حجازي الخولي، في تعليق على صفحة المحافظة، إن لديه منزلاً صدر له قرار إزالة وهدم كلي وقطع مرافق، ولم يتم تنفيذه حتى الآن، متسائلاً عن الحل.
وكتبت عبير شعبان مطالبة المحافظ بزيارة شارع محمد إبراهيم بكفر السلمانية، حيث توجد منازل صدر لها قرارات إزالة ولم تُنفذ.
وأكدت عزة شعراوي أبو الخير أن السبب الرئيسي لتكرار الانهيارات هو عدم تنفيذ الإزالات بحق المناطق السكنية القديمة.
وفي تعليق آخر، اقترحت مواطنة في تعليق تنظيم حملات معاينة مرحلية للعقارات القديمة، تبدأ بالمباني التي شُيّدت بين عامي 1900 و1950، لتحديد الآيل للسقوط منها وإخلائه، ثم تقسيم العقارات إلى مراحل زمنية وفق تاريخ إنشائها، مع مشاركة أصحاب العقارات في تقديم المستندات.
بينما طالب مواطن آخر محافظ الجيزة بمراجعة أداء رؤساء الأحياء والعاملين بها، مشيراً إلى أن كثيراً من قرارات الإزالة لا تُنفذ إلا بعد تدخلات غير قانونية.
وقالت وفاء عبد الرحمن إن حي جنوب الجيزة يصدر قرارات “تنكيس” للبيوت دون مباشرة التنفيذ، وإن التقارير تبقى في الأدراج حتى تقع الكارثة.
حوادث مشابهة
وتكرر المشهد ذاته بعد أيام في حادث انهيار عقار بحي العجمي بمحافظة الإسكندرية يوم 27 ديسمبر ، ما دفع مواطنين آخرين إلى التعبير عن مخاوفهم من المصير نفسه.
وقال أحمد أباظة إن لديه قرار هدم صادر منذ عام 2010 لعقار خالٍ من السكان، ولم يتم تنفيذه حتى الآن. وحذّر إبراهيم الشناوي من أن حوادث مشابهة منتشرة في جميع أنحاء الإسكندرية، بينما قال هاني إبراهيم إن التحرك لا يبدأ إلا بعد وقوع ضحايا.
وتساءل أحمد فؤاد عن غياب المتابعة والقوانين الملزمة لأصحاب العقارات بتنفيذ قرارات الإزالة، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية الإهمال، مطالباً بمحاسبة المسؤولين قبل وقوع الكارثة وليس بعدها.
أرقام تكشف حجم الخطر
وفي مايو 2025، أعلن الفريق أحمد خالد، محافظ الإسكندرية، خلال اجتماع اللجنة المشتركة من لجان الإسكان بمجلس النواب، ومكتبي لجنتي الإدارة المحلية والشؤون الدستورية والتشريعية، أن عدد العقارات الآيلة للسقوط بالمحافظة يبلغ 24 ألفًا و108 عقارات، من بينها 8 آلاف صدر لها قرارات إزالة كلية أو جزئية.
وشهدت مصر خلال العام الجاري أربع حوادث انهيار عقارات أدت إلى مقتل 18 شخصًا. ففي 18 يونيو الماضي، انهار عقار بمنطقة السيدة زينب، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص، وفي اليوم نفسه انهار مبنى قديم خالٍ من السكان في الإسكندرية.
وبعد يومين، انهار منزل في حدائق القبة، ما أدى إلى انهيار مبنيين آخرين ومقتل عشرة أشخاص، ونجاة شخص واحد.
وبعد ثلاثة أيام، وقع انهيار آخر في شبرا مصر أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص. كما شهد شهر أبريل انهيار عقار بحي غرب أسيوط، انتُشلت من تحته ست جثث، رغم صدور قرار إزالة لم يُنفذ.
وفي غياب إحصاءات رسمية محدثة، وثّق تحقيق نشرته إحدى الصحف المحلية أكثر من 800 حادثة سقوط عقار خلال الفترة من 2017 إلى 2023، أسفرت عن 551 قتيلاً و1088 مصابا.
الأسباب والحلول
كشف الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير البلديات الدولية، عن أرقام وصفها بـ”الخطيرة”، مؤكداً أن مصر تواجه أزمة حقيقية في ملف إدارة العمران، في ظل وجود عشرات الآلاف من العقارات المهددة بالانهيار في أي لحظة داخل المحافظات.
وأوضح أن هذه الأزمة تنعكس في تزايد ملحوظ في أعداد الضحايا الناتجين عن انهيار المباني، مقابل ما وصفه بـ”صمت البلديات وضعف الرقابة المحلية”.
وأشار عرفة، إلى أن إحصائيات رسمية صادرة عن المركز القومي لبحوث البناء والإسكان تؤكد وجود نحو 121 ألف عقار في خطر داهم، في حين أكد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وفق بيانات تعداد 2017، أن عدد العقارات الآيلة للسقوط يبلغ نحو 97 ألفاً و535 عقاراً على مستوى الجمهورية، وهي مصنفة ضمن بند “غير قابل للترميم ومطلوب الهدم”، دون اتخاذ إجراءات تنفيذية حاسمة بشأنها.
وأضاف أستاذ الإدارة الحكومية أن ملف البناء المخالف شهد انفجاراً غير مسبوق خلال السنوات التسع الماضية، حيث تم رصد نحو 3 ملايين و240 ألف عقار مخالف، إلى جانب مليون و900 ألف حالة تعدٍ على الأراضي الزراعية، وذلك وفق بيانات مشتركة صادرة عن وزارتي الزراعة والتنمية المحلية. واعتبر أن هذه الأرقام تعكس فشلاً إداريًا وتشريعياً واضحاً في إدارة المنظومة العمرانية.
وطالب أستاذ الإدارة المحلية جميع المحافظين بفتح ملفات الفساد داخل الإدارات الهندسية المسؤولة عن تراخيص البناء، مؤكداً أن التواجد الإعلامي للمسؤولين في مواقع الانهيارات بعد وقوع الكوارث “لن يحل أزمة ما يقرب من 100 ألف عقار آيل للسقوط”، ما لم يتم التعامل مع جذور المشكلة بشكل جاد وممنهج.
كما دعا إلى وقف نقل وندب حملة الدبلومات (تجارة وصنايع) للعمل داخل الإدارات الهندسية بالوحدات المحلية، معتبراً ذلك أحد أوجه الخلل المؤسسي، خاصة في ظل أن نسبة المهندسين العاملين بتلك الإدارات لا تتجاوز 8%، بينما يشغل الباقون وظائف فنية لا تتناسب مع طبيعة الملف العمراني المعقد.
وطرح الدكتور حمدي عرفة خطة استراتيجية تنفيذية شاملة للقضاء على ظاهرة انهيار العقارات والبناء المخالف، تضمنت تعديل قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 لما يحتويه من ثغرات وبيروقراطية تساهم في زيادة المخالفات، وتعديل قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 لتوضيح الاختصاصات المشتركة مع وزارة الإسكان، إلى جانب الإسراع بتعديل قانون المجتمعات العمرانية رقم 58 لسنة 1979، الذي مرّ على إصداره أكثر من 44 عاماً.
كما طالب بنقل جميع الإدارات الهندسية التابعة للمراكز والأحياء والوحدات القروية إلى مديريات الإسكان، باعتبارها الجهة المختصة فنياً، وإصدار تشريع قانوني جديد يُقر الحبس على المقاول أو المهندس أو صاحب العقار في حال تنفيذ أو السماح بإنشاءات مخالفة.
وأكد عرفة أن التطبيق الفوري والجاد لهذه التوصيات يمثل خط الدفاع الأخير لحماية أرواح المواطنين، محذراً من أن استمرار تجاهل الأزمة سيؤدي إلى مزيد من الضحايا وكوارث عمرانية متكررة.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، محمد السجيني، في تصريحات أدلى بها في ديسمبر 2024، أن عدد المباني المخالفة في مصر يبلغ نحو 3 ملايين مبنى.
كما أشار تقرير صادر عن وزارة التنمية المحلية إلى أن إجمالي عدد المباني المخالفة خلال الفترة من عام 2000 حتى 2017 بلغ نحو 2.8 مليون مبنى من أصل 13.5 مليون مبنى، بنسبة تصل إلى 21% من إجمالي المباني في البلاد.
وقدّرت دراسة صادرة عن المركز المصري للحق في السكن وجود نحو 1.4 مليون عقار آيل للسقوط على مستوى الجمهورية، مع تسجيل محافظة القاهرة أعلى نسبة من العقارات التي صدرت بحقها قرارات إزالة.
ومع هذه الأرقام الصادمة، يظل السؤال مطروحاً، هل ستتحرك الحكومة في عام 2026 بشكل استباقي وجاد لوقف انهيارات العقارات المخالفة قبل وقوعها، أم ستنتظر كارثة جديدة لتكتفي مجددًا برفع الأنقاض ونقل جثث الضحايا؟