ضحايا تحت الأرض.. هوس التنقيب عن الآثار يتمدّد في ظل الضغوط الاقتصادية وغياب التوعية المجتمعية

لا يزال هوس التنقيب عن الآثار يطارد المواطنين، لا باعتباره جريمة فحسب، بل كـ”طوق نجاة” يتشبث به البعض هرباً من ضغوط اقتصادية متفاقمة.

حلم الثراء السريع، الذي يبدأ غالباً بحفرة صغيرة داخل منزل أو قطعة أرض فضاء، ينتهي في كثير من الأحيان بانهيار مفاجئ، ونعوش تُحمل في صمت، أو قضايا تنتهي خلف القضبان.

مؤخراً، أعاد حادث وفاة ثلاثة أشخاص، بينهم شقيقان، خلال شهر ديسمبر 2025 أثناء التنقيب عن الآثار في عزبة الصعيدي بمحافظة الفيوم، تسليط الضوء على هذه الظاهرة القديمة المتجددة.

وأفادت المعاينة الأولية بأن الضحايا شرعوا في الحفر بشكل سري مستخدمين أدوات بدائية، ما أدى إلى انهيار أرضي في قطعة أرض فضاء مساحتها نحو 250 متراً، تعود ملكيتها لشخص يُدعى جمعة يونس بيومي خلف الله (58 عاماً)، بقرية الصعيدي بدائرة مركز الفيوم.

لم تكن واقعة الفيوم استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة حوادث متشابهة شهدتها المحافظة نفسها خلال العام الجاري.

ففي أبريل 2025، لقي شابان من مركز سنورس مصرعهما إثر انهيار حفرة داخل منزلهما، بينما شهد شهر أكتوبر من العام ذاته مصرع ثلاثة أشخاص أثناء تواجدهم داخل حفرة بلغ عمقها نحو 30 مترًا بقرية قصر الباسل التابعة لمركز شرطة إطسا.

وامتد المشهد ذاته إلى محافظات أخرى. ففي القاهرة، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على سيدة وأربعة أشخاص بمنطقة الجمالية لقيامهم بالتنقيب غير المشروع داخل ورشة، كما تم ضبط شخص ونجله في بولاق أبو العلا أثناء الحفر والتنقيب عن الآثار داخل مسكنهما، فضلًا عن ضبط سبعة أشخاص آخرين بمنطقة عابدين للسبب ذاته.

جرائم مروعة وخسائر بشرية

في بعض الوقائع، لم يتوقف الأمر عند حدود الموت، بل امتد إلى محاولة محو الجريمة نفسها. ففي محافظة الغربية، لقي الشاب محمد فضل (27 عاماً) حتفه إثر انهيار حفرة بعمق 13 متراً داخل غرفة مهجورة بقرية “سلامون” التابعة لمركز بسيون. حاول شركاؤه الثلاثة إنقاذه دون جدوى، قبل أن يقدموا على ردم الحفرة بالكامل وصب طبقة خرسانية لإخفاء الجثة.

وفي محافظة الإسكندرية، نُقل شخصان صديقهما الخمسيني، الذي انهارت عليه حفرة بعمق 30 متراً داخل إحدى فيلات منطقة العجمي، المجاورة لقضبان السكة الحديد بمنطقة كنج مريوط، بدائرة قسم العامرية ثانٍ، في واقعة كشفت عن مدى الخطورة التي قد تصل إليها أعمال الحفر السرية.

متاحف في منازل المواطنين

في المقابل، لا تنتهي جميع محاولات التنقيب بالموت. ففي بعض الحالات، تفضي الحفر الخلسة إلى اكتشافات ضخمة تحوّل منازل المواطنين إلى ما يشبه “متاحف سرية”.
ففي محافظة المنيا، اعترف تاجر أدوات منزلية لأجهزة الأمن بقيامه بأعمال حفر وتنقيب غير مشروع عن الآثار في منطقة جبلية بشرق النيل، أسفرت عن استخراج 577 قطعة أثرية متنوعة بغرض بيعها لتحقيق مكاسب مادية، بعد ضبطه في مسكنه بمدينة المنيا الجديدة. وسبق ذلك ضبط شخصين من المحافظة نفسها بحوزتهما 360 قطعة أثرية.

وفي أكتوبر 2025، ضبطت الأجهزة الأمنية مزارعاً بمحافظة بني سويف بحوزته 533 قطعة أثرية نادرة، اعترف بعثوره عليها من خلال أعمال حفر سرية مخالفة للقانون.

كما شهد عام 2024 ضبط موظف بمحكمة أسيوط بحوزته 1118 قطعة أثرية، بينما تم في أغسطس من العام نفسه ضبط موظف آخر وبحوزته أكثر من ألف قطعة أثرية وعملات معدنية وخزفية داخل شقته.

من المنازل إلى المصالح الحكومية

الأخطر من التنقيب داخل المنازل، هو انتقال الظاهرة إلى داخل مؤسسات رسمية يفترض أنها خاضعة للرقابة.

ففي الأول من يونيو 2025، قرر وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو إحالة عدد من مسؤولي قصر ثقافة الأقصر وبيت ثقافة الطفل ومسؤولي الإدارة الهندسية والأمن إلى التحقيق، بعد قيام الشركة المنفذة لأعمال الترميم بالحفر داخل إحدى غرف القصر للاشتباه في التنقيب عن الآثار، في غياب تام للقائمين على الموقع.

وفي 21 سبتمبر 2025، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على أربعة موظفين بقطاع الصحة بمحافظة قنا، بتهمة التنقيب غير المشروع عن الآثار داخل مكتب صحة مركز دشنا، عقب اكتشاف لجنة تفتيش لحفرة عميقة تصل إلى أربعة أمتار وسرداب يمتد لأكثر من 20 مترًا، حُفر سرًا داخل غرفة مغلقة بقفل حديدي.

وكشفت ضبطيات وزارة الداخلية خلال عامي 2022 و2024 أن محافظة أسيوط تتصدر قضايا تجارة الآثار من حيث عدد القطع المضبوطة.

تحذيرات الخبراء

هذا السيناريو المتكرر يفسره الباحث الأثري والمؤرخ بسام الشماع، الذي يشير إلى وقوع حوادث مأساوية عديدة نتيجة انهيار الآبار أو تخلخل أساسات المنازل أثناء التنقيب الخلسة، موضحاً أن الأسلوب المعتاد يبدأ بإقناع أهالي القرى النائية بوجود آثار داخل أملاكهم، لتحفيزهم على الحفر مقابل وعود بالثراء.

من جانبه، حذر الخبير الأمني العميد سامح عز العرب من خطورة التنقيب غير القانوني، مؤكداً أنه لا يعرض حياة المواطنين للخطر فحسب، بل يضعهم تحت طائلة القانون، فضلاً عن استغلال بعض الدجالين لأصحاب المنازل بإيهامهم بوجود كنوز أثرية، مقابل مبالغ مالية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار المنازل وسقوط ضحايا.

من جهتها، أكدت الدكتورة حنان عبدالعزيز، عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر ببني سويف، أن الحفاظ على الآثار مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، مشددة على ضرورة تكثيف حملات التوعية المجتمعية بخطورة التنقيب غير المشروع، وما يترتب عليه من خسائر بشرية وتراثية.

وفي سياق الضغوط الاقتصادية التي تدفع بعض المواطنين للمخاطرة بحياتهم بحثًا عن الثراء السريع، أشار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في أحدث تصريحاته، إلى أن آخر الإحصاءات الرسمية تُقدّر نسبة المواطنين الواقعين تحت خط الفقر بنحو 29%. في المقابل، ذكر تقارير صحفية أن نسبة الفقر قد تصل إلى 34%، ما يعكس اتساع شريحة المتأثرين بالأوضاع الاقتصادية.

القانون والإفتاء

رغم هذا الكم من الضحايا والخسائر، يظل التساؤل مطروحاً حول مدى كفاية الردع القانوني. وتوضح المحامية عايدة أبوسكينة أن القانون رقم 117 لسنة 1983، المعدل بالقانون رقم 91 لسنة 2018، ينص على معاقبة كل من يعتدي على آثار الدولة بالسجن من خمس إلى سبع سنوات، وغرامة تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسين ألف جنيه.

كما أصدرت دار الإفتاء المصرية الفتوى رقم 1877 بتاريخ 23 يونيو 2011، مؤكدة أن التنقيب عن الآثار لحساب الشخص الخاص مخالف للأنظمة والقوانين، ويُعد اعتداءً على المصلحة العامة، ولا يحل شرعًا القيام به.

حجم الآثار المهربة وقيمتها

وفي الوقت الذي تستمر فيه الحفر السرية داخل الأراضي والمنازل، تكشف الأرقام عن حجم هائل للآثار المصرية الموجودة خارج البلاد.

فقد أكد الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن عدد القطع الأثرية المصرية بالخارج يتجاوز مليون قطعة موزعة على نحو 40 متحفًا عالميًا، من بينها المتحف البريطاني، ومتحف برلين الجديد، واللوفر، والمتروبوليتان، ومتحف تورينو.

وأشار شاكر إلى أن أقل تقدير لقيمة الآثار المصرية في الخارج يصل إلى تريليون دولار، مستشهداً بأن قناع الملك توت عنخ آمون كان مؤمناً عليه عام 1976 بقيمة 150 مليون جنيه إسترليني أثناء نقله إلى أحد المعارض، ما يعكس القيمة الحقيقية للآثار نفسها. وأكد أن غالبية القطع المهربة يصعب استعادتها في ظل غياب سجلات موثقة لها.

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك
شارك