الجرائم الأسرية تهز مصر.. من مذبحة كرموز إلى دلجا وقائع صادمة خلف الأبواب المغلقة

في لحظة فارقة غاب فيها العقل وحضر فيها اليأس، استيقظ أبناء محافظة الإسكندرية، على فاجعة إنسانية، عقب قيام شاب بقتل والدته وأشقائه بحي كرموز.

تبدأ فصول هذه المأساة الإنسانية، وفقاً لاعترافات مرتكب المجزرة الشاب “ريان” – الشقيق الأكبر لإخوته – البالغ من العمر عشرين عاماً الذي وقف أمام جهات التحقيق بملامح يكسوها الذهول ليروي التسلسل الزمني لـ “مذبحة كرموز”، والذي بدأ من مكالمة هاتفية عابرة للقارات في 26 من رمضان عام 2026، حين أخبر الأب المغترب زوجته “إنجي” البالغة من العمر 41 عاماً بقرار طلاقها وتوقفه التام عن الإنفاق عليها وعلى أبنائهما الـ 6.

كانت تلك الكلمات بمثابة رصاصة الرحمة على الأم التي كانت تحارب مرض السرطان في صمت، لتدخل في نوبة اكتئاب حاد، لم تجد معه مخرجاً سوى إخبار أولادها بتخلي الأب عنهم وتطليقها، وإقناعهم بأن الموت هو الطريق الأفضل للذهاب إلى الجنة والمهرب من واقع مرير بلا عائل أو أمان، لتبدأ خطة إنهاء حياة الأسرة هرباً من هذا الواقع المعيشي والنفسي المأزوم.

بداية تنفيذ المذبحة

ومع حلول ليلة 27 من رمضان، بدأ التنفيذ الفعلي بقرار واتفاق جماعي، حيث أرسلت الأم ابنها يوسف البالغ من العمر 17 عاماً لشراء شفرات الحلاقة التي ستكون “أدوات الخلاص”، وقضت الأسرة ليلتها في محاولات جماعية لقطع شرايين الأيدي وجرح الرقاب.

ومع بزوغ فجر اليوم التالي وانتهاء تلك الليلة الدامية، كان الأطفال الثلاثة الأصغر سناً، رهف البالغة من العمر 12 عاماً، وملك البالغة 10 سنوات، وياسين البالغ 8 سنوات، قد فارقوا الحياة جراء النزيف المستمر أثناء نومهم، وهو ما أكدته المعاينة لاحقاً بوجود الجثامين في حالة “تعفن” تشير لوقوع الوفاة قبل اكتشافها بأربعة أيام.

ولم يتوقف قطار الموت عند هذا الحد، ففي صباح اليوم الثاني، ومع بقاء المتهم ريان ووالدته وشقيقيه يحيى البالغ من العمر 15 عاماً ويوسف ذي 17 عاماً على قيد الحياة، بدأ ريان ووالدته في مساعدة بعضهما لإنهاء حياة المتبقيين، فذُبح يحيى بالشفرة حتى فارق الحياة، ثم قاما بخنق يوسف باستخدام وسادة.

مرتكب المجزرة يفشل في الانتحار

وعقب التأكد من وفاة أشقائه، أقدم المتهم على خنق والدته بوسادة بيده بناءً على رغبتها وحسبما أكد في التحقيقات، ليظل يوماً كاملاً وحيداً وسط جثث عائلته وهي ترتدي ملابسها كاملة بمسرح الجريمة الذي عُثر فيه على الشفرات الملطخة بالدماء، قبل أن يحاول المتهم الانتحار بإلقاء نفسه من الطابق الثالث عشر، وتفشل محاولته نتيجة تدخل الأهالي.

بيوت دامية

هذه الفاجعة في كرموز ليست إلا حلقة في سلسلة دموية باتت تؤرق النسيج الاجتماعي؛ فمن “مذبحة الملاحات” في يناير 2026 التي تجرد فيها بائع فول بالإسكندرية من مشاعره بقتل أبنائه الأربعة وإلقائهم في المياه بعد عام من قتله لزوجته ودفنها مبرراً جريمته بعدم قدرته على الإنفاق ثم بالتشكك في زوجته، وصولاً إلى قرية “دلجا” بمحافظة المنيا في يوليو 2025 التي شهدت مقتل أب وأطفاله الستة على يد زوجة الأب التي دست السم لهم في الخبز مدفوعة بالحقد والغيرة بعدما رد زوجها طليقته الأولى.

وتتوالى المشاهد من الفيوم في يناير 2026 حيث عاقبت المحكمة أباً قتل نجله البالغ 16 عاماً، ومن الشرقية حيث خنق أب ابنته البالغة 17 عاماً لتمسكها بفسخ خطوبتها وإكمال تعليمها، وصولاً للجيزة حيث قتل ثلاثة أفراد من عائلة واحدة ابنتهم داخل المنزل لمعاقبتها على الزواج دون علمهم رغم ثبوت شرعيته.

الجرائم الأسرية بالأرقام

وتعزز لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية هذا المنحى التصاعدي المخيف، حيث قفزت الجرائم الأسرية من ثلاثمائة وعشرين جريمة في عام 2015 لتصل إلى ستمائة وخمسين جريمة في عام 2019 عاكسة تنوعاً في أنماط الاعتداء على الحياة والجسد والعرض والمال.

بينما رصدت مؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة” قفزة أكبر بتوثيق نحو 1250 جريمة عنف داخل الأسرة العام الماضي، وهو ما يعني تضاعف المعدلات نحو 4 خلال 10 سنوات.

الأسباب والدوافع

ويلاحظ المحامي ومدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية وحقوق الإنسان، أحمد مهران، أن الزيادة الحقيقية نسبياً تتركز في الجرائم شديدة العنف كالقتل والتشويه والتعذيب، مشيراً إلى أن الإحساس العالي بها يرجع للتغطية اللحظية عبر السوشيال ميديا.

وأوضح مهران أن الأنماط تغيرت لتصبح جرائم اندفاعية لحظية بلا تخطيط طويل عبر وسائل متاحة بسهولة كالأسلحة البيضاء أو الحرق أو الإلقاء من علو، إلى جانب التصعيد السريع لخلافات بسيطة أمام الأطفال أو بسبب نزاعات الحضانة والنفقة، والتي تدور بين الغيرة والشك والخلافات المالية والضغوط الاقتصادية والاضطرابات النفسية غير المعالجة وتعاطي المخدرات وغياب ثقافة الحوار.

من جانبها، ترى الدكتورة هالة رمضان، مديرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن هشاشة العلاقات الاجتماعية وضعف الوازع الديني والإدمان والتأثير السلبي للتكنولوجيا والضغوط الاقتصادية تعد من أبرز الأسباب التي جعلت هذه الظاهرة المقلقة والدخيلة تتفشى وتؤدي لتفكك الروابط.

وتتفق معها الدكتورة رشا محمد، أستاذة علم النفس بجامعة بني سويف، مؤكدة أن تصاعد هذه الجرائم نتاج تراكم طويل من الضغوط النفسية غير المعالجة، في ظل إنكار مجتمعي واسع للمرض النفسي الذي يُفسر خطأ بأنه تقلب مزاج أو ضعف إيمان لينفجر لاحقاً في صورة عنف غير متوقع.

وفي ذات السياق، حذر استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز من أن ما نراه الآن ليس ذروة الظاهرة بل مجرد بدايتها، حيث يمر المجتمع بتآكل أخلاقي ونفسي متسارع جراء الضغوط المعيشية الخانقة والانفتاح غير المنضبط وانتشار المخدرات المسببة للبارانويا والذهان.

ورأى فرويز أن أخطر ما يميز المرحلة هو “الاعتياد على العنف” واستهلاك الجريمة كخبر عابر مما يُفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية، وتطبيع الغضب الذي بات بلا قنوات صحية للتفريغ لتصبح الأسرة هي الحلقة الأضعف والأقرب للانفجار.

ولذا يتفق الخبراء على أن القبضة الأمنية وحدها لن تكسر هذا النزيف، بل يجب إدماج الصحة النفسية في الرعاية الأساسية وتوفير الدعم للأسر الهشة وكسر وصمة العلاج النفسي وتجريم التحريض الأسري لإنقاذ ما تبقى من أمان البيوت.

 

أضف تعليقك
شارك