٤٠ مليار جنيه لعميل واحد.. إمبراطور الأسمدة يتعثر وتساؤلات حول تساهل البنوك وغياب الرقابة المصرفية

أثار حصول رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس مجموعة شركات “إيفرجرو” للأسمدة، على تسهيلات ائتمانية ضخمة من عدد كبير من البنوك، حالة من الجدل، خاصة مع استمرار تعثره في السداد لسنوات طويلة.

وتُعد هذه الحالة من أكبر حالات التعثر لعميل واحد داخل الجهاز المصرفي المصري، بعدما وصلت إجمالي المديونية – وفق تقديرات متداولة – إلى نحو 40 مليار جنيه، ما تسبب في تشابك مصالح ما يقرب من 25 بنكاً.

بدأ محمد الخشن مسيرته المهنية بعد تخرجه في كلية الزراعة عام 1972، حيث عمل في تسويق الأسمدة، قبل أن يؤسس مجموعة “إيفرجرو”، التي توسعت لاحقاً في إنتاج الأسمدة المتخصصة والتصدير إلى نحو 70 دولة.

واعتمدت الشركة في نموها على التوسع السريع المدعوم بالتمويل البنكي، وهو ما ساهم في زيادة حجم أعمالها، لكنه رفع في المقابل مستويات المخاطر نتيجة الاعتماد الكبير على الاقتراض.

التوسع بالتمويل

في 21 أبريل 2021، وقعت مجموعة “إيفرجرو” عقد قرض مشترك بقيمة 400 مليون دولار، بمشاركة بنك المشرق – دبي، والبنك الأهلي المصري، إلى جانب 10 بنوك أخرى.

وتوزع القرض بين 326 مليون دولار لإعادة تمويل التسهيلات القائمة، و74 مليون دولار لاستكمال توسعات مجمع السادات الصناعي.

وضمت قائمة البنوك الدائنة عدداً كبيراً من المؤسسات المصرفية، من بينها: البنك الأهلي المصري، بنك أبوظبي الأول، المصرف المتحد، بنك أبوظبي الإسلامي، بنك بلوم، بنك البركة، بنك الإمارات دبي الوطني، البنك الأهلي الكويتي، الشركة العربية المصرفية، بنك التنمية الصناعية وتنمية الصادرات، البنك المصري الخليجي، البنك العربي، بنك القاهرة، بنك مصر، البنك الزراعي المصري، بنك قناة السويس، بنك الاستثمار العربي، وبنك كريدي أجريكول.

تعثر ممتد ومحاولات متكررة لإعادة الهيكلة

استمر تعثر محمد الخشن في سداد التزاماته البنكية لسنوات، حيث تشير البيانات إلى فترة تعثر ممتدة تقارب 13 عاماً.

وفي ديسمبر 2022، توصلت البنوك إلى اتفاق مبدئي لإعادة هيكلة مديونيات تُقدّر بنحو 7 مليارات جنيه، إلا أن هذا الاتفاق لم يُنفذ.

وفي يوليو 2024، تم تشكيل لجنة تضم خمسة بنوك رئيسية لمتابعة ملف التسوية، دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

لاحقاً، في 2 نوفمبر 2024، عيّنت شركة “إيفرجرو” شركة “أورا كابيتال”، برئاسة وزير الاستثمار الأسبق أشرف سالمان، مستشاراً مالياً لإدارة المفاوضات مع البنوك الدائنة.

وشملت مقترحات إعادة الهيكلة عدداً من السيناريوهات، من بينها إعادة جدولة المديونية، والتنازل عن جزء من الفوائد والغرامات، إلى جانب تحويل جزء من الديون إلى مساهمة مباشرة في رأس المال، مع طرح دخول مستثمر استراتيجي بحصة تصل إلى 30%، وإجراء تغييرات في مجلس الإدارة.

تحركات مصرفية منسقة وتسوية قيد التفاوض

يقود البنك الأهلي المصري، باعتباره أكبر البنوك الدائنة، جولة جديدة من المفاوضات بالتنسيق مع البنك المركزي المصري، بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي لإعادة هيكلة المديونية.

وتتضمن التسوية المقترحة تحويل جزء من الديون إلى حصص ملكية بقيمة تُقدّر بنحو 6 مليارات جنيه، بما يمنح البنوك نسبة لا تقل عن 25% من الشركة، إلى جانب سداد ما بين 28 و30 مليار جنيه على مدار فترة تمتد إلى 13 عاماً.

كما تشمل إعادة هيكلة تكلفة الدين، من خلال خفض أسعار الفائدة، والتنازل عن غرامات التأخير، وترحيل الفوائد.

وفي السياق ذاته، قامت البنوك الدائنة بتعيين مكتب محمد حمودة للمحاماة مستشاراً قانونياً لإدارة ملف إعادة الهيكلة وصياغة العقود المرتبطة بالتسوية، بما في ذلك إجراءات دخول مستثمر جديد.

روايات متناقضة

أصدرت شركة “إيفرجرو” بياناً ادعت فيه أن الرقم المتداول بشأن المديونية، والبالغ أكثر من 40 مليار جنيه، لا يعكس كامل الصورة، مشيرة إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الرقم يمثل فوائد ناتجة عن تغير أسعار الفائدة وسعر صرف الدولار.

ووفقاً لبيان الشركة، تبلغ المديونية الأصلية نحو 11.8 مليار جنيه، متضمنة القرض الدولاري.

في المقابل، لم تصدر البنوك الدائنة بيانات تفصيلية توضح هيكل المديونية أو طبيعة الضمانات، وهو ما يترك عدداً من الأسئلة دون إجابة، خاصة فيما يتعلق بكيفية إدارة هذا الحجم من الانكشاف الائتماني.

تساؤلات المواطنين

وفي هذا السياق، عبّر عدد من المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي عن تساؤلات وانتقادات تتعلق بطبيعة هذه التسهيلات.

حيث أشار الدكتور سيد لطفي إلى أن المديونية كانت تُقدّر بنحو 19 مليار جنيه في عام 2021، متسائلاً عن أسباب استمرار منح تمويلات إضافية رغم التعثر، وحجم الأصول والضمانات التي تستند إليها هذه القروض.

كما طرح رامي عادل تساؤلاً حول تفاوت معايير الإقراض بين كبار العملاء وصغار المقترضين، في ظل ما وصفه بصرامة الإجراءات على القروض الصغيرة مقارنة بالقروض الكبيرة.

وتساءلت مها صابر عن أسباب استمرار التعامل مع مديونية بهذا الحجم دون اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة، بينما أشار عمر رجب إلى مخاوف تتعلق بقدرة الأصول على تغطية كامل المديونية.

وفي السياق ذاته، لفت أحمد سالم وأيمن توفيق إلى الفارق بين آليات التعامل مع تأخر سداد القروض الصغيرة وبطاقات الائتمان، مقارنة بحالات التعثر الكبرى، فيما أشار عبدالخالق سيد محمود إلى تجربته الشخصية في رفض طلب قرض، رغم صغر قيمته.

كما ذكر صلاح أبوزيد أنه سبق تقديم بلاغ رسمي مدعوم بمستندات إلى هيئة الرقابة الإدارية قبل سنوات، عندما كانت المديونية أقل من مستوياتها الحالية.

وتعكس هذه الحالة نموذجاً معقداً لتشابك التمويل المصرفي مع التوسع السريع في الأعمال، حيث أدى الاعتماد المكثف على الاقتراض إلى تضخم المديونية مع مرور الوقت، بينما تُظهر تطورات الملف أن التعامل مع التعثر يتم عبر أدوات مصرفية تقليدية مثل إعادة الهيكلة وتحويل الديون إلى حصص ملكية، في محاولة للحفاظ على استمرارية النشاط وتقليل الخسائر.

وفي ظل غياب بيانات تفصيلية من البنوك حول الضمانات وهيكل التمويل، يظل الملف مفتوحاً أمام تساؤلات تتعلق بكيفية إدارة هذا الحجم من المخاطر الائتمانية، وآليات منح التسهيلات بهذا النطاق، فضلًا عن التحدي المرتبط بتحقيق التوازن بين دعم الكيانات الاقتصادية الكبرى وضمان عدالة المعايير الائتمانية داخل الجهاز المصرفي.

أضف تعليقك
شارك