التعافي لمين؟
قبل حرب إيران، الحكومة المصرية قالت إنها في طريق التعافي الاقتصادي. الأرقام على الورق بتأكد كلامها — ناتج محلي في ارتفاع، احتياطي أجنبي مستقر، وفائض أولي كاد يتضاعف في سنة مالية واحدة. الصورة مصمتة ولطيفة جدًا لمن يتفرج عليها من بعيد.
لكن في باطن المنظومة دي -للأسف- قصة تانية خالص. التعافي ده مش بيحصل لوحده، وهو مش بيتمول من الهواء. هو بيتمول من العمال — من رواتبهم المجزأة، وخدماتهم التأمينية المعلقة، وحقوقهم القانونية اللي على الورق بس. الحكومة ببساطة بتطحن العمال علشان الأرقام الجافة تبقى كويسة، وكل فاتورة الإصلاح الاقتصادي — مع تداعيات الحرب على الأسعار وتكاليف المعيشة — يتم تمريرها في النهاية لقوت العامل وأجره، لأنه الحلقة الأضعف في سلسلة الاقتصاد المصري المريض.
تطورات: أربع أيام فاصلة بين الاحتفال والفصل
في 26 فبراير، ضخّ صندوق النقد الدولي 2.3 مليار دولار في خزينة الدولة، وجاء البيان الرسمي يقول إن “الاستقرار الاقتصادي الكلي بات أكثر رسوخًا”. الخبر انتشر، والمسؤولين ارتاحوا.
بعدها بأربعة أيام بالظبط، تحركت قوات الأمن المركزي لتفريق إضراب عمال شركة مصر للألمونيوم في نجع حمادي، وهي الشركة المصرية الوحيدة المنتجة للألمنيوم الأساسية. وفي صبح اليوم التالي، فصلت الشركة أكثر من 500 عامل دفعة واحدة.
الحقيقة مطالبهم كانت مشروعة، وليست تعجيزية — عقود توظيف مباشرة ورواتب تحقق الحد الأدنى اللي يكفله القانون. لم يحصلوا على شيء.
“وبريات سمنود”: لما الشركة تسرق بطاقة العلاج
في 9 مارس، كانت هناك واقعة مختلفة في تفاصيلها لكن متطابقة في جوهرها. نظّمت 250 عاملة من قسم الملابس في شركة وبريات سمنود للنسيج بمحافظة الغربية — وهي من أقدم شركات الغزل والنسيج في مصر، وتمتلك وزارة التخطيط والتعاون الدولي 52% من أسهمها — وقفة احتجاجية داخل المصنع استمرت لعدة ساعات.
الشكوى الأولى: الراتب بقى بيجي مقطّع. قررت الإدارة فجأة إن الراتب الشهري يُصرف على أجزاء متفرقة طول الشهر بدل مرة واحدة. عاملة شاركت في الوقفة قالت لـمنصة “درب” الإعلامية، إن القرار ده خلى حياتهم تتقلب رأسًا على عقب — إيجار السكن، مصروفات المدارس، المشتريات اليومية — كلها باتت معلقة لأن الراتب مش بييجي كامل في وقته. والأغرب من كده إن الشركة مش في أزمة مالية — لأنها قامت ببيع قطع أراضي وعندها سيولة تكفي لصرف الرواتب دفعة واحدة.
وزاد الطين بلة إن بعض العاملات اكتشفن إن جزء من الراتب اتحوّل لحسابات بنكية قديمة متوقفة — وهو ما اضطرهن للجري على البنوك وتقديم طلبات تصحيح بيانات استغرقت وقتًا طويلًا، في مزيد من الضغط على حياتهن اليومية.
الشكوى الثانية كانت أشد خطورة: أزمة التأمين الصحي. الشركة — اللي الدولة شريكة فيها بأغلبية — لم تسدد اشتراكات التأمين الصحي منذ سنوات، حتى تراكمت ديون بلغت أكثر من 15 مليون جنيه لصالح هيئة التأمينات. والنتيجة إن التأمين الصحي لـ500 عامل وعاملة اتوقف، ومش قادرين يستخرجوا خطابات علاج أو يجددوا بطاقاتهم التأمينية.
الجريمة الحقيقية هنا هي إن الشركة لم تتوقف عن خصم حصة التأمين من رواتب العمال — بتاخدها منهم كل شهر بانتظام — لكنها ببساطة مش بتوردها لهيئة التأمينات. يعني العامل بيدفع ثمن حقه في التأمين الصحي بنفسه، وبعد كده مش لاقيه. وعمال مرضى بأمراض قلب وأورام وجدوا أنفسهم في الشارع بدون علاج، لأن إدارة شركة مملوكة للدولة اختارت إنها متدفعش.. كدة بمنتهى البساطة!
العاملات بعتوا شكاوى لمجلس الوزراء، وكان الرد “وعود بالدراسة”. وحين توجه بعض العمال للإدارة، كان ردها: “روحوا اشتكوا في أقسام الشرطة”.
الأرقام بتحكي: 41 واقعة في أسابيع
في 10 مارس، أعلنت الحكومة أن التضخم وصل 13.4% وده أعلى مستوى في سبعة أشهر، وأسرع وتيرة شهرية في سنتين. وقامت الحكومة بضربة أخرى لزيادة أثر التضخم على المواطن البسيط، أعلنت عن زيادة جديدة في أسعار الوقود، وهي الثالثة في أقل من سنة.
بين يناير ومنتصف مارس فقط، رُصدت 41 حادثة عمالية في مناطق متعددة من البلاد — إضرابات واعتصامات واحتجاجات. وبعد تجميع الاحتجاجات المتكررة في نفس الأماكن، وصل عدد الإحتجاجات المستقلة إلى 38 احتجاجا.
عند النظر أكثر في طبيعة هذه الحوادث الـ41:
- 35 منها من عمال ما يطلق عليهم “الياقات الزرقاء” — وهي العمالة اليومية المباشرة “الشقيانين”.
- 27 حادثة كان الدافع خلفها ضغط الأجور وحده.
ده معناه إن الحكومة علشان تحقق على الورق نجاح تسوقه للمقرضين وصندوق النقد الدولي، تقوم بتحميل التكلفة للفئات المسحوقة في السلم الاجتماعي والاقتصادي في مصر، ليس للحكومة او لرجال الأعمال، بل للعمال، اللي هم الأقل قدرة على الرفض.
كيف تطحن الحكومة العمال؟ ثلاث أدوات مجربة
أولًا: تفتيت قوة العمل
الحكومة بتعتمد على التعاقد من الباطن لتحويل كتير من العمال إلى “عمالة مؤقتة” خارج نطاق الحماية القانونية الكاملة. النتيجة: عامل بلا تمثيل نقابي حقيقي، وبلا قدرة تفاوضية، وبعقد “ناعم” ممكن يتشال منه في أي لحظة من غير تعويض يُذكر. لما العمال متفرقين ومش منظمين، بيبقى سهل تجاهل مطالبهم — أو قمعها.
ثانيًا: الحد الأدنى للأجور… موجود على الورق بس
القانون المصري فيه حد أدنى للأجور، لكن تطبيقه ضعيف لدرجة إنه يكاد يكون معدومًا — سواء في القطاع الخاص أو في شركات القطاع العام اللي شهدت الاحتجاجات دي. العمال بيطالبوا بما يكفله القانون ومش بيوصلهم. ده مش إهمال عرضي، ده نمط ممنهج.
ثالثًا: لما بيتكلموا، بيجي الأمن
لما العمال يفيض بيهم، بيقرروا يعبّروا عن رفضهم بطرق سلمية — إضراب، اعتصام، وقفة احتجاجية — الرد مش بيكون على طاولة التفاوض. الرد بيكون قوات أمن مركزي وشوم وغاز مسيل للدموع وفصل جماعي. ده بيبعت رسالة واضحة لكل عامل بيفكر يطالب بحقه: الصمت أرخص من الكلام.
خلاصة: التعافي مش حقيقي، وكمان مش عادل
السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراة الدكتور مدبولي بيكرروا دائما إن “الصعوبات الحالية مؤقتة” وإن “ثمار الإصلاح قادمة”. وربما يصدق المنطق ده على مستوى المؤشرات الكلية — اللي تحسنت فعلًا على الورق، لكن قبل الحرب الإيرانية، والله أعلم مؤشرات الاقتصاد بعد تداعيات الحرب على مصر هتبقى عاملة ازاي.
لكن في أرض الواقع، في مصانع الألمنيوم وورش النسيج في سمنود وعشرات مواقع العمل اللي شهدت احتجاجات هذا الشتاء، العامل المصري مش شايف الثمار الورقية دي. هو اللي بيموّل الوصول إليها — من راتبه المجزأ، ومن تأمينه الصحي وعلاجه المسروقين، ومن خوفه إنه لو اتكلم هيصحى بكرة من غير شغل.
الأرقام الجيدة اتكتبت على جلود العمال. والتعافي الحقيقي لن يكون تعافيًا ما لم يشعر به من صنعوه.