شكلت برك المياه الممتدة في معظم محافظات الجمهورية عنواناً للمشهد الذي خلفته موجة الطقس السيئ التي ضربت مصر مؤخراً، حيث أعادت مشاهد السيارات العالقة ومحاولات المواطنين لعبور الطرق بحذر إلى الأذهان سؤالاً يتكرر كل عام: لماذا تتحول الأمطار إلى أزمة رغم قرارات حكومية استباقية، أبرزها تعطيل الدراسة؟
مشهد الفوضى
بدأ المشهد صباح الأربعاء، مع هطول أمطار غزيرة على القاهرة والجيزة وعدد من المحافظات، مصحوبة برياح باردة وسحب كثيفة.
لم تمض ساعات حتى تحولت الشوارع الرئيسية والجانبية إلى برك ممتدة، وغرقت طرق حيوية مثل الطريق الدائري، بينما دخلت سيارات الشفط في سباق مع الزمن في المدن الجديدة من القاهرة الجديدة إلى العاشر من رمضان.
مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل وثّقت مشهداً متكرراً من عجز الحكومة أمام الأمطار، رغم إعلانها الاستعدادات، ما أظهر هشاشة واضحة في البنية التحتية والجاهزية لمواجهة الأزمات السنوية.
خسائر المحافظات
في الإسكندرية، تسببت الأمطار في وفاة سيدة بمنطقة بحري غرب الإسكندرية نتيجة انهيار سقف عقاري سكني، بينما أنقذت قوات الحماية المدنية سيدة مسنة بعد انهيار عقار آخر.
وفي محافظة كفرالشيخ، أعلن المهندس إبراهيم مكي، المحافظ، عن توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وفي مياه البحر المتوسط حتى تحسن الأحوال الجوية، طبقاً لتقارير الهيئة العامة للأرصاد الجوية التي حذرت من موجة طقس سيئ واضطراب حركة الملاحة البحرية.
أما في جنوب سيناء، فقد تسببت الرياح الشديدة والأمطار في انقطاع التيار الكهربائي بمدينة طابا لمدة 45 دقيقة، بينما شهدت مدينة سانت كاترين سيولاً متوسطة الحدة.
المركز الإعلامي للهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر أعلن بدوره غلق ميناء نويبع والغردقة.
وفي شمال سيناء، شهدت مناطق “الحمة والمشبه والعدام” في مركز نخل، ومنطقة المغارة في مركز الحسنة جريان مياه السيول على ارتفاع نحو 50 سم، لمسافات عدة.
صعق كهربائي وإغلاق طرق
الوفيات والحوادث لم تقتصر على المحافظات الساحلية، بل امتدت إلى الفيوم والمنيا وسوهاج.
ففي الفيوم، تعرض فلاح يدعى مصطفى لصعق كهربائي أثناء عودته من أرضه، مما أدى إلى وفاة ماشيته، كما سقط شاب يُدعى محمود هاني أحمد، 27 عامًا، في عزبة روبيل بقرية منشأة الجمال، بسبب الرياح العاتية والأمطار الغزيرة.
وفي المنيا، أدى سقوط عمود إنارة أمام السجن العمومي إلى غلق الطريق الرئيسي، أحد أهم الشرايين الحيوية، مما تسبب في تكدس مروري.
كما سقطت نخلة على الطريق الزراعي “القاهرة–أسيوط” بين سدس وببا، وتسببت الرياح في سقوط لوحة إعلانية كبيرة أعلى كوبري الشرق وسقوط سيارة نقل أموال في إحدى الترع نتيجة انخفاض الرؤية.
أما في سوهاج، فقد أدى سقوط جزء من شجرة بطريق الأحايوة شرق أخميم إلى انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق، فيما اشتعل أحد أعمدة الضغط المتوسط في مدخل قرية البلابيش، وسقطت أعمدة الضغط المنخفض في قرية الشيخ رحومة، مما أدى إلى تعطيل الخدمات وقطع الكهرباء عن المنازل والمرافق الحيوية، كما أغلق سقوط شجرة الطريق السريع سوهاج–جرجا قبلي، وسقطت أجزاء من لوحة إعلانية بجوار سور ديوان عام المحافظة.
مشاهد متكررة
ولم تكن هذه المشاهد جديدة على المواطنيين. ففي العام الماضي، تسببت أمطار غزيرة في شلل مروري بالقاهرة والجيزة ومدينة السادس من أكتوبر، خاصة على طرق رئيسية مثل مصر–الإسكندرية الصحراوي ومحور 26 يوليو وكوبري 15 مايو.
بينما تحولت ميادين كبرى، من التحرير إلى لبنان، إلى مساحات راكدة من المياه.
وفي 22 مارس 2025 غرقت شوارع مدينة رأس غارب تحت وطأة أمطار مماثلة، في إنذار مبكر يتكرر صداه اليوم، ما يعكس قصور الخطط الاستباقية للحكومة في مواجهة هذه الأزمات السنوية.
حياة المواطنين
في ظل هذه الفوضى، اضطر المواطنون لإعادة ترتيب حياتهم. ويقول محمد حسن، الذي اعتاد التنقل يومياً من إمبابة إلى التجمع الخامس، إنه بقي في منزله مفضلاً العمل عن بُعد.
بينما ألغى ناصر محمود نزهته الأسبوعية مع أسرته بسبب توقف المدارس والأنشطة. أما سيد علي، موظف في أحد البنوك، عبّر عن معاناته قائلاً “إن النزول إلى الشارع في المطر يتحول إلى مغامرة غير مضمونة، وهو واقع يعيشه كثيرون في مصر”.
في المقابل، أعلنت الحكومة حالة الاستنفار. ودعت وزيرة التنمية المحلية، الدكتورة منال عوض، المواطنين إلى توخي الحذر وتجنب أماكن تجمع المياه وأعمدة الإنارة، مع تقليل الحركة على الطرق، مؤكدة متابعة الموقف لحظة بلحظة عبر غرف العمليات ورفع درجة الاستعداد في جميع المحافظات.
شملت الإجراءات إغلاق بعض الموانئ مثل البرلس والغردقة، ورفع جاهزية المستشفيات، وتأمين استقرار الشبكة الكهربائية، وخفض سرعات القطارات حفاظاً على سلامة الركاب، بينما قررت وزارتا التعليم والتعليم العالي تعليق الدراسة لمدة يومين في المدارس والجامعات.
ومع ذلك، كان واضحاً أن هذه الإجراءات لم تمنع الفوضى في الشوارع أو الخسائر في الأرواح والممتلكات، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول كفاءة التخطيط الحكومي.
ويرى خبراء الطقس وعلم الاجتماع أن عنصر المفاجأة وعدم الاعتياد على مثل هذه التقلبات يسهمان في إرباك المواطنين، بينما الإجراءات الحكومية كانت مناسبة من حيث المبدأ لكنها غير كافية لمنع التأثير على الروتين اليومي.