بالأمس أصدر وزير العدل القرار 896 لسنة 2026 والذي يقرر تدابير إدارية جديدة بشأن الرجل “المطلِّق” المحكوم عليه بأحكام في قضايا النفقة الزوجية.
بموجب القرار يحرم الرجل من كافة الخدمات الحكومية من أجل إجباره على سداد دين النفقة لطليقته أو أبنائه أو أحد أقاربه ممن تجب عليه نفقتهم بالقانون.
أواصر مفككة
“زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف” – “مفيش نصيب” – “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق“، كنت تسمع هذه العبارات في مشاهد السينما التي تجسد حالات انفصال البطل والبطلة بالطلاق، وكانت معظمها مغلفة بجو إنساني مفعم بالمشاعر تصور الزوجين المقبلين على الطلاق بشكل منضبط يحمل مساحة من الود عند هذه اللحظة، تقول البطلة “هو برضو أبو عيالي” لإحدى صديقاتها التي قالت “غار في داهية” ويقول البطل “مش هلاقي ظفرها” لمن قال من أصدقائه “بكرة تتجوز ست ستها”.
هذا المشهد معبر عن حالات الانفصال التي تترك بابًا للفضل امتثالًا لقول الله تعالي “ولا تنسوا الفضل بينكم” وهو التوجيه الذي تبني عليه حياة ما بعد الانفصال، وتنطلق منه عملية إدارة شئون المشترك الذي يخص الأطفال، من نفقة، وحضانة، وتعليم ومستقبل، عبر تربية مشتركة في بيتين.
هذه الحالة الإنسانية كانت القاعدة، ولكل قاعدة شواذ من حالات الطلاق الصاخب الذي ينتهي بشكل عنيف، لكنها تبقي حالات شاذة غير غالبة.
مع بدء سيطرة ثقافة الندية، وشيوع أفكار “أريد حلًا” و”الشقة من حق الزوجة” وروايات النميمة الزوجية المجتمعية، انتقل المجتمع الزواجي لقنابل موقوتة متحفزة، وحلت المحاكم محل جلسات الصلح العائلي، وأصبح القاضي أول المتدخلين وليس آخرهم، يحكم بالقانون الحاسم في حالات إنسانية مرنة بطبيعتها، ويُمضي الأحكام الجامدة التي قد تفسد حياة الأبناء وتجعلهم طرفًا أصيلًا في صفقة مساومة يستخدمه كل طرف تجاه الآخر!
الحكومة بين “راحة الضمير” و”ترييح الدماغ”!
كانت مقررات الأحوال الشخصية التي تأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، تحرص على إبقاء جوانب مرنة يعمل فيها القضاء بسلطته التقديرية، تعالج تفاوت الحالات والفروق بين الأسر، في الغني والفقر، والتباين في المستويات الاجتماعية، بالإضافة لحالة الأطفال وعددهم وأعمارهم، لكن المقررات المستحدثة بعد إقرار تعديلات أجريت في الثمانينيات، ثم قوانين الأسرة بداية من 2000 مع محاكم الأسرة، فاقمت حالات التفكك الأسري، على وقع صراعات “قائمة المنقولات” وإيصالات الأمانة، ومباريات حبس الأزواج، ناهيك عن الأزواج السابقين.
الجانب الآخر من الصورة يحمل مأساة “مطلقة” معها أولادها في سباق قاعات المحاكم، لنيل حقها وحق أطفالها، و”زوج سابق” متعنت لا يراعي عشرة ولا مصير مشترك في حياة أطفاله، وأصبحت القوانين “ثلاجة” لحفظ القضايا لسنوات بدلًا من حلها، وأداة تكسير عظام بدلًا من حكم عدل بين طرفين متساويين!
دور الحكومات توفير حلول تحافظ على رباعية المجتمع والزوج والزوجة والأولاد، لكنها عمدت إلى حلول قد تكون ناجزة لكنها تهدم مربع العلاقة، وتضر أكثر ما تنفع، حيث تلجئ الأزواج لمزيد من التعنت والهروب والتحايل على الالتزام، وهو ما يؤدي إلي مزيد من التدابير في اتجاه تصاعدي ينقل “المعركة” بين الزوجين لمستوى أعلى لكنها تتم في هذه المستويات برعاية حكومية للحفاظ على حدود المعركة، بدلًا من إطفائها.
قرار وزير العدل الذي يحرم الرجل من كافة الخدمات الحكومية من أجل إجباره على سداد دين النفقة لطليقته أو أبنائه أو أحد أقاربه ممن تجب عليه نفقتهم بالقانون، يعالج جانب من الصورة، في إيجاد سبل الأداء الجبري للنفقة، لكنه بفتح باب واسع من التشرذم ويزيد “الطين بلة” عبر تدابير يراها الرجل انتصارًا للمرأة، وتراه المرأة إنصافًا لها، وربما نري تلكؤاً في إبرام التصالح لإذلال الرجل، وربما تحايل الرجل بشكل كبير لتفويت فرص الأداء الجبري على المرأة!
يدفع قانونيون بأن القرار غير دستوري كونه الدستوري منع تعدد العقوبات على جريمة واحده فعقوبة السجن أو الحبس التي قضي بها في جناية أو جنحة، لا يجوز إضافة عقوبات اخري من جهات اخري كحرمان من خدمات حكومية، كما أن حق المواطن في الحصول على الخدمات حق دستوري منفصل عن العقوبة، فمن حق السجين الحصول على الدعم المقرر للمعاقين مثلُا كما أن من حقه الاستفادة بخدمات الشهر العقاري وعمل التوكيلات وغيرها ..
كما تمثل الخدمات التي يحرم منها الزوج وحجمها وعددها مسارًا معطلًا لحياة الرجل المهنية والعملية ما يؤدي لتعطيله عن العمل والكسب، وهو ما يبرز اتجاهًا معاكسًا يؤثر سلبًا على سداد متجمد النفقة أصلًا!!
احتراب مجتمعي!
قد يؤدي هذا المسلك التشريعي للاحتراب المجتمعي، حيث يصنع معارك تشتعل فصولها بين الطليق ومطلقته، ويتعدى الأمر لزيادة مساحات التنابذ بين عائلتي الطرفين، ما قد يترتب عليه – في بعض الحالات- إلي جرائم أكبر قد تصل للقتل في أحيان وتبييت الأذى في أحيان أخري، كما أنها تؤدي في المجمل إلي لجوء الرجل إلي طرق وتدابير أكثر حرفية في التحايل تؤدي إلى ضياع حق المطلقة بدلًا من حمايته، فالعناد الذي تولده مثل هذه القرارات لا يأتي بخير.
الحلول المتساندة
تحتاج المشكلات الإنسانية إلي حلول متساندة، لا يمثل فيها الإجراء القضائي الجبري دور البطولة، لكن ينبغي أن تتضافر الحلول المجتمعية والدينية والقانونية وربما السياسية، لإنجاز منظومة حل، تراعي الجميع، وتقلل الفجوات بين الجميع، ثم تعاقب المتعنت، بدلًا من عقاب الجميع بذات الدرجة، وجعل الأمر قضية مجتمع بدلًا من حالات خاصة لكل حالة بصمتها وظروفها، أما التدخل الحكومي الجبري وحده فلن يحقق المراد، فقط ينقل المباراة إلي ملعب آخر بجمهور جديد ومزيد من الكروت الحمراء التي لا تحسم النتيجة بل تتركها عند قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”.
شمل القرار مجموعة من الخدمات كالتالي:

