في ورشة صيانة سيارات بمنطقة أرض اللواء في محافظة الجيزة، يقول صاحبها حسن مدكور إن جزءاً من العقار نُزع بدعوى دخوله ضمن حرم مشروع المونوريل الجديد المزمع إنشاؤه.
يوضح في منشور له على “فيسبوك” أن المساحة التي كانت مخصصة لاستقبال السيارات تقلصت، ما انعكس مباشرة على حجم العمل ودخل الورشة، وأثر على العمال الذين يعتمدون عليها كمصدر رزق.
ويضيف أن التعويض لم يُصرف بعد، مؤكداً أنه يتنقل بين الجهات المعنية منذ أشهر “من غير رد واضح”.
ومع غياب وضوح بشأن قيمة التعويض وموعد صرفه، يقول مدكور إن التخطيط للمستقبل أصبح أكثر صعوبة.
وتأتي هذه الشهادة ضمن سياق أوسع شهد خلال عام 2025 صدور قرارات نزع ملكية طالت آلاف المواطنين ومساحات واسعة من الأراضي والعقارات، وفق بيانات منشورة رسمياً.
إحصاءات المتضررين
بحسب رصد وتحليل موقع “ديوان العمران” لقرارات نزع الملكية للمنفعة العامة المنشورة في الجريدة الرسمية والوقائع المصرية خلال عام 2025، بلغ عدد المواطنين المتأثرين 2469 مواطناً، بإجمالي مساحة تقارب 2.5 مليون متر مربع، أي ما يعادل نحو 492 فداناً.
وتصدّرت محافظة الإسكندرية المحافظات من حيث المساحة المنزوعة بنحو 577,844 متراً مربعاً، تلتها محافظة القاهرة بـ 356,303 أمتار مربعة، ثم محافظة الدقهلية بـ 296,748 متراً مربعاً، فمحافظة القليوبية بـ 284,236 متراً مربعاً، ومحافظة الجيزة بـ227,647 متراً مربعاً.
كما سُجلت مساحات في محافظة الإسماعيلية ومحافظة البحيرة، مقابل مساحات أقل في محافظات أخرى، فيما صدرت قرارات في محافظة سوهاج تخص 35 متضرراً دون بيانات منشورة تحدد المساحة بدقة.
واستحوذ قطاع الطرق والكباري على النسبة الأكبر من المساحات المنزوعة بنسبة تقارب 51.5%، تلاه قطاع الخدمات العامة الحضرية، ثم مشروعات التنمية العمرانية والإسكان، إلى جانب النقل والصرف الصحي والأبنية التعليمية والمستشفيات والجراجات العامة.
شهادات المواطنين
إلى جانب حالة صاحب الورشة، تداول مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي شهادات تتعلق بآلية تقدير التعويضات وطبيعة بعض المشروعات.
إذ كتب أحد المواطنين: “نزع الملكية لعمل طرق أو كبارى حاجة، ونزعها لبيع الأرض لمستثمر حاجة تانية، في حالة الاستثمار يجب دفع نصيب أصحاب الأرض وليس تعويض هزيل”.
وذكر آخر أن ملكيات خاصة انتُزعت لصالح توسعة مشروعات استثمارية.
ولم يصدر تعليق رسمي محدد بشأن ما أثير حول تخصيص بعض الأراضي لمشروعات استثمارية خاصة، وفق ما أمكن رصده من بيانات وتصريحات منشورة.
في السياق نفسه، وصفت المحامية والحقوقية نهاد أبو القمصان، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، ما يجري في بعض المناطق بأنه يثير “حالة فزع” بين المواطنين، مطالبة بإعلان المشروعات بوضوح والتواصل المباشر مع السكان، مؤكدة أن الدستور يشترط المنفعة العامة والتعويض العادل.
وفي شمال سيناء، نقلت شهادات عن مواطنين من مدينة رفح تحدثوا عن تجريف مزارع وهدم منازل، مشيرين إلى تأخر التعويضات، بينما عبّر آخرون عن شعورهم بعدم وضوح الإجراءات.
التصريحات الحكومية والجدل البرلماني
من جانبه، أوضح الفريق كامل الوزير، وزير النقل، أن التعويضات في بعض المشروعات تُحدد بواقع 40 ألف جنيه عن كل غرفة، مع احتساب المطبخ ضمن مكونات الوحدة السكنية، موضحاً أمثلة لقيم إجمالية بحسب عدد الغرف.
على المستوى البرلماني، تقدم النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء، بشأن تأخر صرف تعويضات نزع الملكية في بعض المحافظات.
واستند إلى نص المادة 35 من الدستور، التي تنص على أن الملكية الخاصة مصونة ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدماً وفقاً للقانون.
كما أشار إلى أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته التي تنص على إضافة نسبة 20% فوق السعر السائد وقت صدور قرار المنفعة العامة.
وفي المقابل، أعلن الدكتور مصطفى مدبولي تخصيص ما يتجاوز 15 مليار جنيه في الموازنة العامة لتعويضات نزع الملكية، مؤكداً أن أي تأخير يرتبط بإجراءات قانونية وليس بنقص في المخصصات.
كما أظهرت دراسة بعنوان “نزع الملكية للمنفعة العامة في ست إحصاءات” صادرة عن “مرصد العمران” أن عام 2024 شهد قرارات لنزع ملكية لتنفيذ 109 مشروعات بإجمالي مساحة 24 ألف فدان، استحوذت وزارة النقل على النسبة الأكبر منها، مع تقدير إجمالي التعويضات بنحو 35 مليار جنيه.
وتشير المقارنة بين عامي 2024 و2025 إلى تراجع في إجمالي المساحات المنزوعة، وإن ظل الاعتماد على قرارات المنفعة العامة أداة رئيسية لتنفيذ مشروعات البنية التحتية.
الإطار القانوني ورؤية الخبراء
تنظم إجراءات نزع الملكية أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة ولائحته التنفيذية وتعديلاته بالقوانين اللاحقة.
ويشترط القانون صدور قرار بتقرير المنفعة العامة ونشره رسمياً، وحصر العقارات وأصحاب الحقوق، وعرض كشوف التعويضات، مع منح حق الاعتراض والطعن أمام المحكمة المختصة.
من جهته، اعتبر المحامي بالنقض والدستورية العليا محمد عبد العال أن نزع الملكية مسألة يقرها الدستور بشروط، لكنه حذر من أن التوسع غير المنضبط قد يمس الاستقرار الاجتماعي.
كما اعتبر الخبير القانوني الدكتور سعيد عفيفي أن نزع الملكية استثناء على مبدأ حماية الملكية الخاصة، ويجب أن يخضع لاختبارات الضرورة والتناسب، مع رقابة قضائية فعالة.
بدوره، قال خبير التنمية المحلية والتطوير الحضاري الحسين حسان إن القانون ضرورة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، مع التأكيد على أهمية وجود بدائل عادلة وخيارات واضحة أمام المواطن.
أما أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد إبراهيم فأشار إلى أن نزع الملكية المفاجئ قد يسبب “صدمة اجتماعية”، مؤكداً أن التعويض ينبغي أن يكون كافياً لتحقيق الرضا الاجتماعي.
وبين ورشة أرض اللواء وأرقام الجريدة الرسمية، يبقى السؤال مفتوحاً، كيف يمكن تحقيق معادلة تضمن تنفيذ مشروعات تخدم ملايين المواطنين، دون أن يفقد الأفراد شعورهم بالأمان في ملكياتهم؟.