في خطوة تعكس توجه الحكومة نحو تعميق الاعتماد على أدوات التمويل المحلي، أعلنت وزارة المالية طرح “سند المواطن” عبر مكاتب البريد المصري، بما يتيح للأفراد إقراض الدولة مباشرة مقابل عائد شهري ثابت ولمدة 18 شهراً.
وبينما قُدِّم الطرح باعتباره فرصة استثمارية آمنة بعائد تنافسي، أثار في الوقت نفسه نقاشاً واسعًا حول جدواه الفعلية، وآليات الاسترداد، وحقيقة العائد بعد أي استقطاعات محتملة، خاصة في ظل تزامنه مع خفض أسعار الفائدة وتغيرات السياسة النقدية.
تفاصيل الطرح
في 19 فبراير لماضي ، أعلن أحمد كجوك، وزير المالية، طرح “سند المواطن” للأفراد اعتباراً من الأحد 22 فبراير عبر مكاتب البريد على مستوى الجمهورية، بعائد دوري ثابت يُصرف شهرياً ولمدة 18 شهراً، في إطار إتاحة الاستثمار المباشر في الأوراق المالية الحكومية أمام المواطنين.
وأكد أن الإصدار يأتي ضمن جهود وزارة المالية لتنويع الأدوات الاستثمارية وتوسيع قاعدة المستثمرين، من خلال منتجات ادخارية جديدة وآمنة تلبي احتياجات مختلف الشرائح.
وأوضحت مي عادل، مستشار وزير المالية لأسواق المال، أن العائد الشهري للسند يتراوح بين 17.5% و17.75% ويُصرف صافياً من الضرائب، مشيرة إلى أن الاكتتاب والاسترداد يتمان عبر فروع البريد، مع صرف الفوائد شهرياً بما يجعله منافساً للأدوات الادخارية الأخرى في السوق المصري.
وأضافت أن المرحلة الثانية ستتيح الاكتتاب عبر التطبيقات الإلكترونية دعماً للشمول المالي، بحيث تُضاف الفائدة مباشرة إلى حسابات المشتركين مع إمكانية طلب الاسترداد، موضحة أن بدء الطرح عبر الفروع يمثل خطوة أولى لضمان وصول الخدمة إلى أكبر شريحة من المواطنين بصورة منظمة.
من جانبها، قالت داليا الباز، رئيس مجلس إدارة البريد المصري، إن إتاحة السند عبر شبكة مكاتب البريد في المحافظات والمراكز والقرى يعزز وصول المواطنين إلى الأداة الاستثمارية الجديدة، ويدعم جهود الدولة في تعزيز الشمول المالي.
ويأتي طرح “سند المواطن” رغم خفض البنك المركزي، في 12 فبراير الجاري، أسعار الفائدة للمرة السادسة خلال عشرة أشهر، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 19%، وسعر الإقراض إلى 20%، وسعر العملية الرئيسية إلى 19.5%.
وفي سياق متصل، ارتفعت مدخرات المصريين في الشهادات والودائع الزمنية بنحو 790.5 مليار جنيه منذ أبريل الماضي وحتى نوفمبر، لتسجل إجمالي مدخرات الأفراد المربوطة نحو 7.07 تريليون جنيه، وفق بيانات البنك المركزي، وذلك خلافاً لتوقعات رجحت تراجع الإقبال بعد خفض الفائدة وتوقف البنوك الكبرى عن إصدار شهادات بعائد 27%.
عائد على الورق أم خسارة فعلية؟
الطرح أثار تفاعلاً واسعاً على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حيث عبّر عدد من المواطنين عن مخاوفهم وتساؤلاتهم بشأن تفاصيل السند.
قال المواطن سامي خاطر: “يعني أدفع 10 آلاف جنيه علشان يطلعلي كل شهر 160 جنيه، وبعد كده ندفع ضرائب 20%، ناخد فلوسك نسد العجز ونديك فايدة ملهاش لازمة”، متسائلاً عن جدوى الاستثمار إذا كانت الضرائب ستُخصم من العائد.
وكتب المواطن محمد بنوان أن الاسترداد غير متاح إلا بعد مرور أربعة أشهر، مع وجود خصم مرتفع في الشهور الأولى حال كسر السند، مشيراً إلى أن الخسارة تتراجع تدريجياً مع اقتراب نهاية مدة الـ18 شهراً.
أما شعبان الصاوي فأشار إلى قلقه من الوضع المالي العام بقوله إن المستثمر يفضّل وضع أمواله لدى جهة تحقق أرباحاً وليست مثقلة بالخسائر والقروض، بينما تساءل إبراهيم حسن عن جدوى الاستثمار مقارنة بشراء الذهب خلال نفس المدة.
ورأت المواطنة منال مبروك أن الطرح يمثل “تقليبة جديدة لجيب المواطن”، في حين حذر توفيق كرم من وجود ضرائب على العائد بنسبة 20% تُخصم في نهاية المدة، معتبراً أن العائد الفعلي بعد الخصم قد يقل عن 15%.
وأثار زياد المصري مسألة تتعلق بسمعة مكاتب البريد، متحدثاً عن رسوم على دفاتر التوفير وتصفير بعض الحسابات الصغيرة ومشكلات تقنية متكررة، فيما عبّر حازم أحمد عمران عن رفضه للفكرة، واعتبر أحمد إبراهيم أن البنوك تظل خيارًا أكثر وضوحًا.
سر طرح سند المواطن
في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن “سند المواطن” يسهم في تبسيط أدوات الاستثمار الحكومية وإتاحتها لشريحة أوسع، كما يعزز دمج المدخرات الفردية في الاقتصاد الرسمي، ويدعم قدرة الدولة على تعبئة التمويل المحلي.
وأوضح أن إتاحته عبر مكاتب البريد تمثل خطوة مهمة من حيث سهولة الشراء وتقليل التعقيدات الإجرائية، بما يفتح الباب أمام فئات لم تكن تتعامل مع البنوك أو البورصة.
وأشار إلى أن الاستثمار في السندات يعني إقراض الدولة مبلغاً محدداً مقابل عائد دوري ثابت مع استرداد أصل المبلغ بنهاية المدة، وهو ما يمنح درجة أمان مرتفعة باعتبار أن الضامن هو الدولة.
ولفت إلى أن العائد على السندات غالباً ما يكون أعلى من حسابات التوفير التقليدية، ما يجعلها خياراً مناسباً لمن يبحثون عن دخل منتظم ومستقر في ظل تقلبات الأسعار.
وأضاف أن الأداة الجديدة قد تسهم في تقليل الاعتماد على القروض الدولية، وخفض مخاطر تقلبات أسعار الصرف والاضطرابات العالمية على المالية العامة، كما تشجع المواطنين على توجيه جزء من مدخراتهم إلى أدوات ادخارية منظمة، بما يدعم استقرار السوق النقدي من خلال امتصاص السيولة الفائضة ويخفف الضغوط على السياسة النقدية.
السند أم الشهادة؟
من جانبه، أوضح مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية بشركة أكيومن لإدارة الأصول، أن “سند المواطن” قد يكون خياراً أفضل لبعض المواطنين مقارنة بالشهادات الادخارية، نظراً لقصر مدته البالغة 18 شهراً، مقابل مدد لا تقل عن ثلاث سنوات في الشهادات الحالية.
وقالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر سابقًا، إن العائد الذي يصل إلى 17.75% يفوق متوسط عائد الشهادات الذي يتراوح بين 16% و17%، ما يجعله جذاباً، خاصة لسكان القرى والريف، وقد يسهم في حمايتهم من الوقوع ضحية كيانات غير رسمية مثل “المستريح”، مع تأكيدها ضرورة توعية المواطنين بكافة شروط الطرح.
أما أحمد شوقي، الخبير المصرفي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، فأكد أن صرف العائد شهريًا يمثل ميزة أساسية للسند، إذ يوفر دخلاً دورياً منتظماً، مشيرًا إلى أن الاستثمار في أدوات الدين كان يتطلب سابقاً المرور عبر البنوك بإجراءات قد تبدو معقدة نسبياً، بينما أصبح متاحاً الآن مباشرة عبر البريد وبدون وسيط.
وبين وعود العائد الثابت وتيسير الاكتتاب من جهة، وتساؤلات المواطنين بشأن الضرائب والاسترداد والثقة من جهة أخرى، يظل “سند المواطن” أداة جديدة في سوق الادخار المحلي، سيتحدد مدى إقبال الأفراد عليها بمدى وضوح شروطها وقدرتها على المنافسة ضمن بيئة اقتصادية متغيرة.