“معركة الكاش” .. أموال المواطنين رهينة داخل ماكينات خاوية

مع الساعات الأولى من كل شهر، يتكرر المشهد ذاته أمام ماكينات الصراف الآلي في شوارع ومدن مصر المختلفة  وهو طوابير ممتدة، وجوه متعبة، وأصوات غاضبة، وماكينات لا تحمل سوى لافتة غير مكتوبة تقول: “لا توجد سيولة”.

مشهد بات مألوفًا، لكنه لا يزال صادمًا، خاصة لكبار السن وأصحاب المعاشات الذين ينتظرون أموالهم لتسيير أبسط متطلبات الحياة.

شهادات المواطنين

المواطن كريم الحفناوي لخّص الأزمة عبر صفحته على “فيس بوك”، مؤكداً أن ماكينات الصراف الآلي التابعة للبنك الأهلي وبنك مصر “دائماً خالية من النقود”، ومرجعاً ذلك إلى سحب السيولة من البنوك عقب قرارات خفض فوائد شهادات الادخار، ما أدى إلى طوابير طويلة أمام ماكينات الـATM لفك الشهادات، وانعكس في صورة نقص واضح في النقد المتاح.

ويرى المواطن محمود جمعة أن الأزمة تختلف من بنك لآخر، معتبراً أن بعض البنوك “دائماً المكن فيها فاضي”، حتى في مناطق حيوية، في حين توجد بنوك أخرى “محترمة” – على حد وصفه – تحرص على توفير السيولة حتى خلال أيام الإجازات.

أما أماني وهبة، فوصفت تجربتها مع البنك الأهلي بأنها “كارثة حقيقية”، مشيرة إلى أن الماكينات إما معطلة أو بلا نقود، وأن المواطنين قد ينتظرون أسبوعاً كاملاً حتى يتمكنوا من السحب.

وانتقدت إسناد إدارة الماكينات لشركات خارجية، معتبرة أن البنوك تستفيد من بقاء الأموال داخلها أياماً طويلة دون تمكين العملاء من سحبها، مقارنة بما يحدث في دول أخرى تُغذى فيها الماكينات أكثر من مرة يومياً.

الكاتب الصحفي أسامة العنيزي نقل صورة إنسانية قاسية، واصفاً طوابير كبار السن أمام ماكينات بنك مصر بأنها “تقطع القلب”، حيث ينتظر أصحاب المعاشات لساعات طويلة، ثم يفاجأون بابتلاع البطاقة أو بتنفيذ العملية دون خروج أموال، لتبدأ رحلة معاناة جديدة مع خدمة العملاء، وسط موسيقى دعائية لا تخفف من الإحباط شيئاً.

وقال المواطن خالد محمود فؤاد: “أنا حرفياً بطوف في أكتوبر حوالين الصرافات علشان أسحب، وكله خارج الخدمة، الشاشة مغلقة، مفيش فلوس. ده في أي وقت طول الشهر، حاجة صعبة جداً بصراحة”.

وحذر المواطن الوليد أحمد من أن الطوابير المتزايدة أمام ماكينات الـATM بعد استرداد شهادات الادخار بدلاً من تجديدها “تنذر بتراجع خطير في سيولة البنوك”.

في المقابل، أكد محمد النجار، عبر منصة “إكس”، أن استخدام النقد حق أصيل للمواطن، مستشهدًا بتجارب دولية تسمح بالدفع النقدي وتمنح مزايا أحيانًا لمن يختار “الكاش”.

وفي محاولة لطرح حلول عملية، اقترح المواطن مينا تنظيم عمليات السحب من خلال تحديد معاملة واحدة لكل عميل خلال فترة زمنية قصيرة، بهدف تسريع حركة الطوابير وتقليل التكدس.

وقارن وليد محمد الوضع بما يحدث في دول تعتمد على الدفع الإلكتروني الكامل، مشيرا إلى أن المشكلة ليست في “الكاش” ذاته، بل في غياب النظام والانضباط، مؤكداً أن المواطن هو من يدفع ثمن هذا الخلل.

الأزمة في مكاتب البريد

ولم تقتصر الأزمة على البنوك فقط، بل امتدت إلى مكاتب البريد. فقد سرد المواطن أحمد المنياوي شكوى مطولة من تعطل “سيستم البريد” لساعات طويلة في أول أيام صرف المعاشات، وتسليم بطاقات غير مفعلة، إلى جانب صعوبة التواصل عبر أرقام خدمة العملاء. كما أشار إلى قلة عدد ماكينات الـATM التابعة للبريد، وضآلة السيولة المتاحة بها، ما يضاعف معاناة كبار السن في الطوابير.

وتناول الإعلامي عمرو أديب الأزمة في برنامجه “الحكاية”، رافضاً التقليل من شكاوى المواطنين أو تبريرها بالتحول إلى الدفع الرقمي، مؤكدًا أن المواطن حر في اختيار طريقة استخدام أمواله، ومطالبًا بحلول عملية بدلًا من الخطاب التبريري، ومشيرًا إلى أن المشكلة تتفاقم في المناطق الشعبية التي تفتقر إلى عدد كافٍ من ماكينات الصراف.

ووجّه أديب رسالة مباشرة للمسؤولين في القطاع المصرفي، داعيًا إلى زيادة أعداد الماكينات وتكثيف تغذيتها بالسيولة، مؤكدًا أن الأمر ممكن حال توافر الإرادة.

تحرك برلماني وأرقام صادمة

من جانبه، وصف المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، معاناة أصحاب المعاشات بأنها غير مقبولة، مشيرًا إلى أن عدد المستفيدين من المعاشات وبرنامجي «تكافل وكرامة» يبلغ نحو 17.1 مليون مستفيد، بما يمثل قرابة 30 مليون مواطن، في مقابل أقل من 10 آلاف منفذ صرف فقط.

وأوضح منصور أن هذا الخلل العددي، إلى جانب ضعف تغذية الماكينات وتعطل الأنظمة، يؤدي إلى طوابير شهرية تمتد لأيام، خاصة في محافظات كبرى مثل الجيزة، مطالبًا بتنسيق عاجل بين الوزارات المعنية والبنوك لزيادة المنافذ وضمان انتظام الصرف، حفاظًا على كرامة المواطنين.

ردود البنوك

في المقابل، قال هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي، إن “منظومة الكاش تختفي من العالم”، مشيرًا إلى تجارب دول مثل الصين.

بينما أوضحت مصادر بالبنك الأهلي، في تصريحات لموقع “الصفحة الأولى”، أن الإقبال على السحب كان “تاريخياً”، نتيجة صرف الرواتب والمعاشات واقتراب شهر رمضان، ما تسبب في ضغط غير مسبوق على ماكينات الصراف الآلي.

وأكدت المصادر أن البنوك رصدت الأزمة إلكترونيًا وتحركت لتغذية الماكينات، إلا أن شركات نقل الأموال واجهت ضغطًا كبيرًا بسبب سرعة نفاد السيولة، رغم وجود نحو 30 ألف ماكينة صراف آلي على مستوى الجمهورية.

وفي السياق ذاته، فسر مسؤول بالدعم الفني والإداري في أحد البنوك الكبرى، في تصريحات صحفية “مصراوي”، سبب نقص السيولة في ماكينات الصراف الآلي بزيادة معدلات السحب النقدي بين العملاء بشكل ملحوظ، بالتزامن مع دخول شهر رمضان، الذي يُعد من أكثر الشهور إنفاقًا لدى المصريين، إلى جانب إجازة نصف العام.

وأوضح المسؤول أن شركات تغذية الأموال التي تستعين بها البنوك واجهت ضغطًا كبيرًا نتيجة زيادة عدد مرات المرور على الماكينات لإعادة تغذيتها، بسبب سرعة نفاد السيولة منها، مرجعًا ذلك إلى تفضيل عدد كبير من العملاء استخدام النقدية في شراء مستلزماتهم بدلًا من الاعتماد على الدفع عبر البطاقات المصرفية أو الوسائل الإلكترونية.

بهذه الصورة، تظل أزمة ماكينات الصراف الآلي ملفًا مفتوحًا يتجدد كل شهر، بين شكاوى المواطنين، وتحذيرات النواب، وتبريرات البنوك، فيما يبقى السؤال الأهم: إلى متى يظل الحصول على “الكاش” معركة يومية للمواطنين.

أضف تعليقك
شارك