تسكنها الأشباح.. غياب الأمن وانقطاع الخدمات وراء عزوف المواطنين عن المدن الجديدة

لم يكن حلم امتلاك “شقة” في إحدى المدن الجديدة مجرد رغبة عابرة لدى آلاف الشباب والأسر، بل كان مشروع عمرٍ كامل، ادّخروا له سنوات طويلة أملاً في حياة أكثر هدوءاً وتنظيماً بعيداً عن زحام المدن القديمة.

غير أن هذا الحلم، كما يرويه كثيرون، تحوّل إلى كابوس يومي يعيشونه في ظل نقص الخدمات الأساسية، وعلى رأسها وسائل النقل، وغياب الصيانة، وتكرار أزمات المرافق، وصولاً إلى انعدام الإحساس بالأمان.

المواطنون يروون حكاياتهم

على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّلت الصفحات الشخصية إلى دفاتر شكاوى مفتوحة. فقد نقل مصطفى أبو حربة، عبر موقع “فيس بوك”، معاناة أهالي مدينة أكتوبر الجديدة بالكامل، مشيراً إلى مناطق 800 فدان، ودجلة بالمز، وسكن مصر، وابني بيتك 6، ومنطقة غرب المطار، حيث وصف حجم السرقات اليومية بأنه بات ظاهرة مقلقة، سواء ما يتعلق بسرقات المال العام مثل كابلات الكهرباء وكابلات التليفونات وبلاعات الصرف الصحي، أو سرقة ممتلكات المواطنين.

وأضاف أن الأزمة تمتد إلى انتشار بعض حالات الشباب المتسكع ليلاً في الأماكن المظلمة، مؤكداً أن اللصوص تجرأوا إلى حد سرقة حبال الغسيل بما عليها من ملابس.

ووجّه أبو حربه نداءً مباشراً إلى وزير الداخلية متسائلاً: إلى متى سيظل مبنى قسم أول أكتوبر الجديدة مبنى كاملاً متكاملًا تسكنه الأشباح؟.

من جانبه، كتب المواطن علاء عبدالمنعم واصل عبر “فيس بوك” أنه كان يعتقد أن زيارة وزير الإسكان خُصصت لمتابعة الأحياء القديمة وشكاوى المواطنين من تدني جودة الحياة في مدن أكتوبر الثلاث والشيخ زايد، بعد ما وصفه بتغلغل “سرطان العشوائيات”، حيث أصبحت الشوارع عبارة عن أكشاك، على حد تعبيره.

وأوضح أنه كان يتوقع أن تشمل الزيارة الأحياء الفقيرة والمتوسطة للوقوف على مشاكلها، في ظل مرافقة عدد لا بأس به من المسؤولين، دون أن يقترح أحد متابعة أحوال المواطنين أو الإشارة إلى المشكلات المتراكمة، رغم علم الوزير بها سابقًا حين كان رئيسًا لجهاز أكتوبر.

وأشار إلى أزمات انعدام المواصلات، وانقطاع المياه المستمر، والتباطؤ في إنهاء مشروعات البنية التحتية ورصف الشوارع، وهي ملفات تمس حياة المواطن اليومية.

أزمات المواصلات والمرافق

لم تقتصر الشكاوى على الكتابات، بل وثّقت مقاطع مرئية معاناة المواطنين من عدم توافر المواصلات في مدينة 6 أكتوبر، إلى جانب الزحام المستمر بموقف سيارات شبين الكوم المتجه إلى مدينة السادات الجديدة.

ويقول المواطن أحمد عبدالغني إنه فضّل الاستقرار في منطقة الدقي حيث تقيم أسرة زوجته، بدلاً من العيش بمدينة حدائق أكتوبر الجديدة، لأن غالبية الخدمات “ليست مكتملة”، مع مشكلات متكررة في انقطاع الكهرباء والمياه، وارتفاع أسعار وسائل التنقل، فضلًا عن طول المسافة التي قد تتجاوز ساعتين للوصول إلى مقر عمله بوسط البلد في ميدان رمسيس.

وفي مدينة المنصورة الجديدة، يروي عادل السعيد، وأشرف إبراهيم محمد، والسعيد أشرف السعيد غلاب، والدكتور ناجي صلاح العزاوي، أنهم تقدموا بشكاوى إلى جميع المسؤولين منذ ثلاث سنوات دون نتيجة تُذكر.

وأوضحوا أنه منذ افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسي للمدينة، وهي تعاني من إهمال شديد، ما دفع كثيراً من السكان إلى هجرها وعدم الإقامة الدائمة بها.

وأشاروا إلى أن انقطاع المياه، المستمر منذ أكثر من أسبوعين وحتى 16 يناير 2026، أجبرهم على جلب المياه من خارج المدينة لاستخدامها في مختلف مناحي الحياة، مؤكدين أن الأزمة متكررة للعام الثالث على التوالي.

كما اشتكوا من غياب المواصلات الداخلية والخارجية، بحيث يبدو من يعيش في المدينة وكأنه في صحراء جرداء ما لم يمتلك سيارة خاصة.

وأضافوا أن المدينة لا يتم تنظيفها من قبل شركات الصيانة في جنة 1 وسكن مصر 1 رغم سداد وديعة الصيانة، وأن المساحات الخضراء تحولت في معظمها إلى مقالب قمامة، مع تكرار حوادث السرقة بسبب غياب جهاز أمني أو كاميرات مراقبة، وعدم وجود مدارس حكومية أو وحدة صحية أو حتى سيارة إسعاف، فضلًا عن الإضاءة الضعيفة ليلًا وانتشار الكلاب الضالة وعدم وجود بوابة خاصة للمدينة.

أجيال المدن الجديدة

تعود فكرة المدن الجديدة إلى إنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عام 1979، التي أقامت أربعة أجيال من المدن، فقد ضم الجيل الأول مدنًا مثل العاشر من رمضان، و15 مايو، و6 أكتوبر، والسادات، وبرج العرب الجديدة، والصالحية الجديدة، ودمياط الجديدة، بهدف احتواء الهجرة من المدن القديمة.

أما الجيل الثاني فشمل بدر، والعبور، وبني سويف الجديدة، والمنيا الجديدة، والنوبارية الجديدة، والشيخ زايد، لاستيعاب الزيادة السكانية.

وتبعه الجيل الثالث بمدن مثل الشروق، والقاهرة الجديدة، وأسيوط الجديدة، وطيبة الجديدة، وسوهاج الجديدة، وأسوان الجديدة، وقنا الجديدة، والفيوم الجديدة، وأخميم الجديدة. ثم جاء الجيل الرابع ليقدم مفهوم المدن الذكية الصديقة للبيئة المعتمدة على الطاقة المتجددة.

غير أن مسحًا أصدره مرصد العمران المتخصص في قضايا السكن مطلع نوفمبر 2024 كشف أن 1.7 مليون شخص فقط يسكنون تلك المدن، وهو ما عُدّ تراجعًا في نسب الإشغال مقارنة بالقدرة الاستيعابية، واستغلالًا أقل من الأمثل لمليارات الجنيهات التي أُنفقت عليها.

وكشف المسح أن أعلى نسبة استيعاب سكان للمدن الجديدة في محافظتي القاهرة والجيزة نسبة 5% من سكان المحافظتين، بينما جاء في المرتبة الثالثة المدن الجديدة في محافظة الشرقية بنسبة 4.2%، وفي المرتبة الرابعة جاءت المدن الجديدة في دمياط بنسبة 3.4%.

وحسب المسح جاءت أقل نسب الاستيعاب السكاني في محافظتي سوهاج وأسوان، حيث بلغت نسبة السكان الذين يعيشون في المدن الجديدة 0.01% فقط من سكان المحافظتين.

وأوضح المسح أنه خلال الـ45 سنة الماضية منذ تمرير قانون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة سنة 1979 وحتى اليوم، تم تخصيص 2.2 مليون فدان لها من أراضي الدولة لتنميتها وتحويلها إلى مجتمعات حضرية جديدة.

وتابع المسح أنه بعد حذف مساحات الطرق والخدمات والمساحات المخصصة خلال السنوات الخمس الماضية، أي لم يتم تسكينها بعد، يظل هناك حوالي 900 ألف فدان لأنشطة الإسكان، وهي أراض شاسعة تكفي لتسكين أكثر من 27 مليون شخص، حسب متوسط كثافات التخطيط العمراني المثالية 60 شخصًا للفدان.

وقال المهندس أحمد إبراهيم، نائب رئيس هيئة المجتمعات لقطاع التخطيط والمشروعات في أكتوبر 2025، إن إجمالي الكثافة السكانية الحالية بالمدن الجديدة 13.5 مليون نسمة، والمستهدف الوصول بعدد السكان إلى 30 مليون نسمة في 2050.

وسبق وأن أوضح الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الأسبق، إن إجمالي الاستثمارات بالمدن الجديدة (الأجيال السابقة والجيل الرابع) في الفترة من 2014 حتى 2023 بلغ 1.3 تريليون جنيه.

تحركات وزارة الإسكان

عقب تكليف المهندسة راندة المنشاوي بحقيبة وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أصدرت توجيهات لرؤساء الأجهزة بتكثيف الحملات اليومية لمواجهة الظواهر العشوائية وتنظيم مواقف الميكروباصات، مع التأكيد على انتظام الخدمات، والاهتمام بالنظافة، ومنع مخالفات البناء، والتواصل المستمر مع السكان والاستماع إلى شكاواهم، بما في ذلك الشكاوى الإلكترونية.

وأعلنت الوزارة لاحقاً شن حملات إزالة فورية لمخالفات البناء، والتصدي لظاهرة النباشين والباعة الجائلين وتحويل النشاط.

غير أن هذه التوجيهات أثارت تساؤلات طرحها الدكتور باسم عادل في مقال له حول خلفية “المتابعة” المهنية للوزيرة، متسائلًا: إذا كانت هناك عشوائية وضعف خدمات وتراخٍ في التنفيذ، فمن كان يتابع؟ وهل كانت الصرامة غائبة أم أن أدوات المحاسبة لم تكن مفعلة؟ وهل يحتاج المسؤول أن يصبح وزيرًا ليفعل ما كان يراقبه سابقًا؟

وأكد أن معاناة السكان تتجاوز مظاهر الانضباط الشكلي إلى مشكلات هيكلية تمس جودة الحياة، من ضعف البنية التحتية والصيانة وتأخر المرافق ونقص المدارس والمستشفيات وغياب النقل العام وبطء إجراءات التقنين.

خبراء يوضحون الأسباب

يرى عباس الزعفراني، عميد كلية التخطيط العمراني السابق بجامعة القاهرة، أن الحكومة رفعت سقف الطموحات بأهداف غير واقعية، موضحًا أن المدن الجديدة تحتاج عشرات السنين لتحقيق أهدافها، مستشهدًا بمدينة الإسماعيلية الجديدة التي وصل عدد سكانها إلى 150 ألف نسمة بعد قرابة قرن من إنشائها.

وأرجع ضعف الإقبال إلى غياب شبكة مواصلات قوية تربط المدن الجديدة بالمدن الأم، وافتقارها إلى نواة عمرانية وخدمية قائمة.

أما الدكتورة عزيزة بدر نجاح، أستاذ جغرافيا المدن وتخطيطها، فأشارت إلى ارتباط المواطنين بمدنهم الأصلية مثل القاهرة والجيزة، وعدم رغبتهم في الانتقال بسبب معوقات التنقل ونقص الخدمات.

ويجزم الدكتور أحمد حسن، أستاذ جغرافيا المدن بجامعة القاهرة ومؤلف كتاب “المدن الجديدة بين النظرية والتطبيق”، بأن هذه المجتمعات لم تحقق الهدف المرجو في تخفيف الضغط عن القاهرة.

وأوضح أن التخطيط كان سليمًا على الورق، لكن التنفيذ ابتعد عن المخطط، كما أن غياب النشاط الاقتصادي الملحق بالمدن حال دون جذب لسكان، حيث يعمل كثير من العمال في المناطق الصناعية دون أن يقيموا في المدن الجديدة.

أضف تعليقك
شارك