منذ الليلة الأولى لعرضه في رمضان، لم يكن “رامز ليفل الوحش” مجرد برنامج مقالب موسمي، بل شرارة جدل محتدم.
فخلف الضحكات المرتفعة والمؤثرات الصاخبة، تصاعدت اتهامات حادة طالت مقدم البرنامج رامز جلال، متهمة إياه بتضمين عبارات وإيحاءات اعتبرها معترضون “تحرشاً لفظياً” بحق ضيفات الحلقات.
الانتقادات لم تبق في إطار منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل امتدت إلى شخصيات فنية وسياسية، في وقت التزمت فيه الجهات الرسمية الصمت، ما وسّع دائرة التساؤلات حول حدود الترفيه ومساءلة الإعلام.
صمت رسمي
ورغم أن ضعف تطبيق القوانين يُعد، وفق آراء حقوقية متداولة، أحد أسباب استمرار ظاهرة التحرش في مصر، فإن أياً من الجهات الحكومية لم يُصدر تعليقاً رسمياً بشأن ما اعتبره منتقدون “تحرشاً لفظياً وجسدياً” في البرنامج، وذلك رغم الغضب المتواصل منذ بدء عرض الحلقات.
هذا الغياب الرسمي دفع بعض المتابعين للحديث عن “ازدواجية في المعايير”، خصوصاً في ظل حملات سابقة طالت صناع محتوى على منصات التواصل الاجتماعي بدعوى حماية “قيم الأسرة”، بينما لم يُلحظ تحرك مماثل تجاه برنامج يُعرض على شاشة فضائية واسعة الانتشار ويحصد نسب مشاهدة مرتفعة.
انتقادات فنية وسياسية
الفنانة راندا البحيري أعربت عبر حسابها على “فيسبوك” عن غضبها مما ورد في مقدمة إحدى الحلقات الموجهة إلى الفنانة أسماء جلال، متسائلة:”هي المقدمة اللي اتقالت على أسماء جلال في برنامج المقالب ده شيء عادي؟ شيء مقبول؟ أنا دمي محروق بجد مش هزار”، في إشارة إلى ما وصفته بالتحرش اللفظي المتكرر.
كما هاجم النائب السابق مرتضى منصور رامز جلال عبر منشور على “فيسبوك”، متسائلاً: “ماذا يفيد غضبكم يا مصريين.. وكل المسؤولين بيتفرجوا على مسخرة كل يوم؟ فين أشرف زكي ونقابته؟ فين الرقابة وعبد الرحيم كمال؟ فين ضياء ووزارة إعلامه؟ فين خالد عبد العزيز؟ وفين المجلس القومي للمرأة؟”، معتبراً أن الصمت الرسمي يسيء إلى سمعة مصر.
غضب شعبي بأسماء واضحة
الانتقادات لم تقتصر على الشخصيات العامة، بل عبّر مواطنون بأسمائهم الصريحة عن رفضهم لما اعتبروه “تطبيعاً مع التحرش”، إذ قال المواطن أشرف فهمي:”كل ما أشوف الناس بتتكلم على تحرش رامز، أفتكر واقعة الكوافير اللي أسماء جلال حبسته علشان قال إنه تخيلها بعد ما غسل شعرها.. إنما عادي رامز يصور ويتحرش علشان تبقى حلوة والكلام ده عادي”.
ونبّه محمد الشعراوي إلى أن “المقدمة عن أسماء جلال تحرش لفظي وإيحاءات خارجة عن العرف والتقاليد والمألوف والتربية”.
وتساءلت ماهيتاب عبدالفتاح: “فين قضية قيم الأسرة؟ وليه بتتطبق على بلوجرز تيك توك وفيس بوك ومش بتتطبق هنا؟”.
وقال مينا مجدي:”الكلام ده لو اتقال من أي شخص في الشارع يبقى تحرش.. التليفزيون مسؤولية وكل كلمة لازم تكون بحساب”.
كما تساءل المواطن أحمد عبدالمحسن عمّا إذا كان النائب ياسر جلال سيتدخل لوقف ما وصفه بـ”المهزلة”، مشيراً إلى مطالبته سابقاً بتنظيم التصوير.
واعتبر هيثم طلعت أن “برنامج رامز يعني التطبيع مع التحرش، وبيُرسخ أفكار وسلوكيات خاطئة لدى الجيل الصاعد”.
وفي سياق المقارنة بين التعامل مع وقائع أخرى، تساءل المواطن محمد علي يوسف الدمياطي: “ورامز جلال إيه؟”، في إشارة إلى غياب تحرك مماثل تجاه البرنامج.
تحذير من “شرعنة” التحرش
حذّر الكاتب عماد ناصف من ما وصفه بـ”شرعنة التحرش” عبر محتوى ترفيهي، مشيراً إلى مفهوم “التبلد الوجداني” (Systematic Desensitization)، حيث يؤدي التعرض المتكرر لما يُعرف بـ”العنف الترفيهي” إلى فقدان تدريجي للقدرة على التعاطف مع معاناة الآخرين.
وبحسب هذا الطرح، فإن الخطر لا يكمن فقط في العبارات المباشرة، بل في الأثر التراكمي للمحتوى الذي قد يعيد تشكيل إدراك الجمهور لما هو مقبول اجتماعياً، ويجعل استباحة كرامة المرأة أمراً قابلاً للتطبيع تحت غطاء المزاح.
مقارنة بردود أفعال في واقعة أخرى
رغم أن الانتقادات لبرنامج رامز جلال لم تلق استجابة رسمية، شهدت واقعة منفصلة اتهام مؤلف أحد المسلسلات الكوميدية بالتحرش تحركاً سريعاً من شركة الإنتاج.
وقالت ديانا الضبع، نائب رئيس قناة سي بي سي سابقاً، عبر “فيسبوك”، إن هناك “اتهامات واسعة بالتحرش ضد مؤلف أحد المسلسلات تحت هاشتاج “مؤلف فخر المسلسلات معتدي””، مطالبة باتخاذ الإجراءات اللازمة، قبل أن تعلن لاحقاً صدور بيان من شركة الإنتاج برفع اسمه من تتر العمل لحين التحقيق.
المقارنة بين الحالتين أثارت تساؤلات حول اتساق ردود الفعل، ولماذا يُتخذ إجراء احترازي سريع في حالة، بينما يستمر الجدل دون تحرك مماثل في حالة أخرى.
التعقيد القانوني
في السياق القانوني، أوضح الصحفي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل أن قناة MBC مصر تبث من خارج مصر، وبالتالي لا تخضع لسلطة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلا في حالات محددة تتعلق بتهديد الأمن القومي أو الإباحية أو التحريض على العنف أو الكراهية أو التمييز.
وأشار إلى أن القضاء الإداري سبق أن اعتبر أن المجلس الأعلى خاطب وزارة الإعلام السعودية بشأن ملاحظات على بعض المشاهد، ما يعكس طبيعة التعقيد الرقابي في هذه الحالة.
وأضاف أن الإجراءات الممكنة قد تشمل دعاوى مدنية أو جنحاً مباشرة بالسب والقذف، إلا أنه رأى أن أي غرامات محتملة «لن تؤثر على أصحاب البرنامج» مقارنة بعوائده، معتبراً أن اللجوء للقضاء يمثل على الأقل موقفاً مبدئياً مناهضاً لما يراه البعض ظاهرة مقلقة.
أرقام مقلقة
تأتي هذه الانتقادات في سياق أوسع، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى انتشار واسع لظاهرة التحرش في مصر.
ففي عام 2024، كشفت دراسة صادرة عن الاتحاد الدولي للخدمات العامة أن نسبة التعرض للتحرش ضد النساء بلغت 88.9% ضمن العينة المدروسة، فيما بلغت نسبة التعرض للتحرش بشكل عام 75.4%، تليها المضايقات وسوء المعاملة من الرؤساء والمشرفين بنسبة 56.3%.
كما أظهرت دراسة للأمم المتحدة عام 2013 أن 99.3% من المصريات أبلغن عن تعرضهن للتحرش، وأن أكثر من 80% يتعرضن لمضايقات في وسائل النقل العام، وهي أرقام أثارت آنذاك موجة احتجاجات واسعة.
ومنذ عام 2014 أُقر في مصر قانون يجرّم التحرش في الأماكن العامة، إلا أن حقوقيين يرون أن التحدي الأكبر لا يزال في التطبيق الصارم والمتسق للقانون.
ورغم الانتقادات اليومية لبرنامج رامز جلال، لا يزال التحرك الحكومي غائبًا، ما يثير تساؤلات حول حدود المسؤولية الإعلامية، ومدى تأثير المحتوى الترفيهي على تطبيع سلوكيات مرفوضة قانونًا ومجتمعياً.