“دة علم وأجهزة المخابرات بتطرح من خلال كتائب إليكترونية موضوعات ممكن تعمل مشاكل بين الدول وبعضها”.
بهذه العبارة افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي حديثه عن وسائل التواصل الاجتماعي خلال كلمته في احتفال عيد الشرطة، معتبرًا أنها لم تعد مجرد منصات للتواصل، وإنما أدوات تُستخدم — بحسب تعبيره — عبر “كتائب إلكترونية” لطرح موضوعات قد تُحدث أزمات داخلية أو خلافات بين الدول.
وجاء حديث السيسي في سياق تبرير توجه الدولة نحو إصدار تشريعات تُقيّد تعامل الأطفال والشباب مع مواقع التواصل الاجتماعي، بدعوى حمايتهم من مخاطر “الإدمان الرقمي” والتوجيه المعادي.
وبعد ساعات من هذه التصريحات، أصدر مجلس النواب بيانًا أعلن فيه تبنيه الكامل لدعوة الرئيس، مؤكدًا عزمه التحرك السريع لإقرار قانون ينظم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي.
مجلس النواب يثمن توجيهات السيسي
في بيانه، ثمّن مجلس النواب ما وصفه بـ“توجه الدولة” لإعداد مشروع قانون يضع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى تجارب بعض الدول التي منعت استخدام الهواتف المحمولة للأطفال.
وأكد البيان أن هذا التوجه يعكس “إدراك الدولة العميق” للمخاطر النفسية والسلوكية الناتجة عن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل، والذي قد يصل إلى ما سُمي بالإدمان الرقمي، فضلًا عن حرص الدولة على إعداد “جيل واعٍ” قادر على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا الحديثة.
وأشار المجلس إلى اعتزامه اتخاذ جميع الإجراءات الدستورية واللائحية اللازمة لدراسة وإقرار تشريع يضع حدًا لما وصفه بـ“الفوضى الرقمية” التي تهدد مستقبل الأطفال.
كما أعلن عن تنظيم حوار مجتمعي موسع تشارك فيه الجهات الحكومية المعنية، في مقدمتها وزارات الاتصالات والشئون النيابية، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، بهدف الوصول إلى صياغة تشريعية “تحقق الهدف المنشود”.
ملامح مشروع قانون تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت
من جانبه، قدّم وزير الشئون النيابية والقانونية السابق المستشار محمود فوزي إحاطة أمام مجلس الشيوخ، أوضح فيها أن الحكومة بدأت بالفعل في إعداد مشروع القانون عقب حديث السيسي عن خطورة ظاهرة الإدمان الرقمي بين النشء والشباب.
واستند فوزي إلى دراسة صادرة عن مكتبة الإسكندرية أفادت بأن مصر تحتل المرتبة الرابعة عشرة عالميًا من حيث كثافة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، بمعدل يقارب ساعتين يوميًا على الألعاب الإلكترونية.
وبحسب الوزيرالسابق، فإن مشروع القانون المطروح قد يسير في أحد اتجاهين:
الأول، منع الأطفال دون سن 16 عامًا من إنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كامل.
والثاني، السماح لهم باستخدام هذه المواقع ولكن تحت “عهدة الأبوين” ومسئوليتهم القانونية المباشرة.
وفي كلا الحالتين، سيترتب على المخالفات عقوبات مالية وربما بدنية، يحددها القانون.
كما كشف الوزير عن نية إنشاء جهة رقابية مختصة بتطبيق القانون، تكون مهمتها التفتيش على شركات تقديم الخدمات، والتحقق من أعمار المستخدمين، وإلزام الشركات بالإفصاح عن بياناتهم، مع فرض غرامات وعقوبات على الأفراد والشركات غير الملتزمة.
وفي ختام الإحاطة، صرّح بأن التوجه الحكومي يميل بوضوح إلى تقييد وصول الأطفال إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
تشريعات التحكم الإليكتروني في مصر
لا يأتي هذا المشروع في فراغ، بل يندرج ضمن مسار تشريعي ممتد عملت الدولة من خلاله على إحكام السيطرة على الفضاء الرقمي، ومنح جهات الأمن القومي سلطات واسعة للاطلاع على بيانات المواطنين الرقمية، واتصالاتهم، وتحركاتهم، وأماكن سكنهم.
ومن أبرز هذه القوانين:
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018
الذي منح جهات الأمن القومي صلاحيات واسعة للاطلاع على البيانات والمعلومات الخاصة بالمواطنين، وألزم مقدمي خدمات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بإتاحة كافة البيانات متى طُلبت.
كما أجاز لمأموري الضبط القضائي سحب البيانات من أي وسيلة رقمية واستخدامها كأدلة، مع إلزام الشركات بتسليم ما لديها من معلومات وحركة الاتصالات.
قانون تنظيم خدمات النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات رقم 87 لسنة 2018
والذي ألزم شركات النقل الذكي بتسليم كافة البيانات الخاصة بالمستخدمين، بما يشمل البيانات الشخصية وخطوط التنقل، لجهات الأمن القومي.
قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020
رغم اسمه، منح القانون جهات الأمن القومي حق الاطلاع على البيانات الشخصية بكافة أشكالها، بما في ذلك الصورة، والصوت، والهوية الرقمية، والبيانات النفسية والصحية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى العلاقات البينية بين هذه البيانات.
قانون إنشاء قاعدة بيانات الرقم القومي الموحد للعقارات رقم 88 لسنة 2025
والذي نظم إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية قومية للعقارات، تتضمن بيانات قاطني كل عقار، وأسند إدارة هذه المنظومة إلى مجمع الإصدارات المؤمنة والذكية التابع لجهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة.
إنشاء المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي
في عام 2017، أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 501 بإنشاء المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي، وأسند رئاسته التنفيذية إلى رئيس أركان القوات المسلحة.
ويتولى المجلس اعتماد الخطط القومية للتحول الرقمي، ومراجعة مقترحات التشريعات واللوائح المنظمة للمجتمع الرقمي، ما يعكس الطابع الأمني والعسكري الحاكم لإدارة هذا الملف.
من خلال هذه المنظومة التشريعية، نجحت الحكومة في بناء نموذج رقابي شامل يكشف حركة المواطنين في مجالات الاتصالات والتقنية والسكن والتنقل، ويخضعها لرقابة مستمرة تحت مظلة “القانون”.
وهو نموذج يعتمد على أدوات غير أمنية في ظاهرها، لكنها تعمل بالتوازي مع قوانين أخرى مثل التظاهر، والعمل الطلابي، والإجراءات الجنائية، فضلًا عن القوانين الاستثنائية كقوانين الإرهاب والطوارئ والمحاكمات العسكرية.
وفي هذا السياق، يأتي التوجه لإقرار قانون يقيد أو يحظر وصول الأطفال حتى سن 16 عامًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ليس فقط بدعوى حمايتهم، وإنما في إطار التخوف من هذه الفئة العمرية تحديدًا، باعتبارها الأكثر قابلية للتفاعل مع دعوات التغيير والاحتجاج.
كما يعكس المشروع محاولة لنقل عبء الرقابة إلى الأسرة، عبر تحميل الأبوين مسئولية قانونية مباشرة، بما يخلق “قيدًا أبويًا ذاتيًا” على تحركات الأبناء، تحت التهديد بالعقوبة، وهو ما يتسق مع ما طرحه السيسي صراحة حين ربط مواقع التواصل بخطر الاستجابة لدعوات تسعى — حسب قوله — إلى إسقاط النظم.