صفعة بلطجي لشاب يُدعى إسلام في أحد شوارع قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية لم تكن الجريمة الأكبر، لكن الأخطر – بحسب مقطع الفيديو المتداول – كان إجباره على الوقوف مرتدياً ملابس نسائية، في مشهد أعاد إلى الأذهان مشهداً درامياً مشابهاً، وجلب انتقادات واسعة للعمدة، ممثل الحكومة، الذي لم يعترض على الواقعة بل ظهر وهو يصفع الشاب.
ورغم تحرك وزارة الداخلية عقب نشر الفيديو وضبط المتهمين وإحالتهم إلى النيابة، لم يُقبض على العمدة بعد الواقعة، ما أثار موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي التي هاجمته وطالبت بإقالته ومحاسبته، ولم تكتفِ بإلقاء اللوم على الدراما باعتبارها المتهم الوحيد.
وتأتي هذه الجريمة بعد أخرى بشعة في الأقصر، لتنضم إلى قائمة جرائم وصفت بغير المسبوقة خلال العام الجاري في مصر؛ إذ رصد مركز حقوقي 143 جريمة في يناير 2025 فقط، بينما تشير بيانات رسمية إلى تراجع المعدل بنسبة تقارب 14%.
كارثة
في 12 فبراير الجاري، تلقى مركز شرطة بنها بمديرية أمن القليوبية بلاغاً من الأهالي يفيد بقيام عدد من الأشخاص بالتعدي على شاب بالضرب، وإجباره على ارتداء ملابس نسائية واعتلاء أحد الكراسي بأحد الشوارع وتصويره بهواتفهم، وفق بيان لوزارة الداخلية.
وأكد البيان أنه تم تحديد وضبط مرتكبي الواقعة وعددهم تسعة أشخاص، من بينهم سيدتان، مقيمون بدائرة المركز.
وبمواجهتهم أقروا بتعديهم على المجني عليه بالضرب محدثين إصابته، وإجباره على ارتداء ملابس نسائية وتصويره في الشارع محل سكنه، بسبب خلافات بينهم لارتباطه بعلاقة عاطفية بكريمة إحدى السيدتين، وتمت إحالة الواقعة إلى النيابة.
ووجهت النيابة العامة للمتهمين عدة اتهامات، من بينها جناية الخطف بالإكراه المقترنة بجناية هتك عرض المجني عليه، والتي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام طبقًا للمادة 290 من قانون العقوبات، بحسب ما ذكره المحامي عمرو عبد السلام عبر صفحته على “فيسبوك”، متمنياً أن يضرب القضاء بيد من حديد وأن تكون سابقة قضائية بتوقيع عقوبة الإعدام على المتهمين.
المتهم الأول
أثار المشهد غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي ضد متهمين رئيسيين لم يكونا ضمن المحالين إلى النيابة؛ الأول مشهد أداه الممثل محمد رمضان في مسلسل “الأسطورة”، واتُّهم بنشر أعمال البلطجة في أعماله، والثاني عمدة قرية ميت عاصم الذي ظهر في الفيديو وهو يصفع الشاب ولم يعترض على الواقعة.
وفيما يتعلق بمحمد رمضان، قالت المواطنة معتزة أحمد إن المشهد المؤسف والمخزي للشاب الذي أُجبر على ارتداء بدلة رقص تم تنفيذه بحذافيره في مشهد درامي لمحمد رمضان والمخرج محمد سامي، مؤكدة أن الدراما لها تأثير، كما أشارت إلى ما يُعرض في مسلسل «قسمة العدل» من ظهور الممثل خالد أنور وهو يشرب السجائر الإلكترونية والشيشة.
وأضافت أن على صناع الدراما ومنتجيها أن يتقوا الله في الشباب، مطالبة بمحاكمات رادعة وفورية للبلطجية ليكونوا عبرة لغيرهم.
وقال المواطن خيرت شكري إن إجبار شاب على ارتداء فستان أو قميص نوم وإهانته في الشارع ليس عقابًا كما يُزعم، بل بلطجة صريحة، معتبرًا أن بعض الأعمال الدرامية قدمت الإذلال في صورة مشهد ساخر أو عقاب مستحق، ما شجع البعض على تقليد أسوأ ما يُعرض دون وعي أو ضمير، مؤكداً أن تحول الإعلام إلى مصدر لتطبيع الانحطاط يؤدي إلى ظهور نماذج ترى في البلطجة بطولة.
وعلّقت الراقصة المعتزلة سما المصري قائلة إن بعض الأعمال الفنية أسهمت في إفساد جيل كامل، مشيرة إلى مشهد قميص النوم في مسلسل “الأسطورة” الذي نُفذ فعلياً بحق شاب في بنها، بينما قال خالد سلامة إن الأحق بالقبض عليه ومنعه من التمثيل – إذا كان هناك احترام لمشاعر الناس – هو من يُلقب بالأسطورة محمد رمضان.
المتهم الثاني
المتهم الثاني الذي هاجمته منصات التواصل هو عمدة قرية ميت عاصم، الذي لم يرد اسمه في بيان وزارة الداخلية.
وتساءل جمال العطار عن سبب عدم القبض عليه، معتبراً أنه ليس فوق القانون، وأيده محمود عامر بقوله إنه لا يصلح أن يبقى عمدة، فيما رأى آخرون أنه أول متهم طالما كان حاضراً ولم يقم بدوره، وأكد سيد أوشا أن العمدة ليس من حقه ضرب الشاب.
وبرر العمدة موقفه في مقطع فيديو بأنه صفع الشاب لامتصاص غضب المحيطين به، إلا أن ذلك لم يُنهِ الجدل، إذ طالب أبو حسام الصعيدي بأن يكون دور العمدة حماية كرامة الإنسان، فيما تصاعدت المطالبات بضبطه ومحاسبته.
وقررت جهات التحقيق بمركز بنها استدعاء عمدة القرية لسماع أقواله في إطار استكمال التحقيقات لكشف ملابسات الواقعة.
وتوالت التعليقات المطالبة بضم العمدة إلى القضية ومحاكمته، أو إقالته باعتباره ممثل الدولة والمسؤول عن الأمن داخل القرية.
وبعد تداول أنباء عن إقالته، نقلت صحف محلية عن مصدر أمني بمديرية أمن القليوبية نفي صدور أي قرار بإقالة عمدة ميت عاصم.
كما قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، إلزام المؤسسات الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية بحذف المقطع المصور للواقعة ومنع تداوله، بدعوى مخالفته قيم المجتمع المصري وتحريضه على العنف.
ليست الواقعة الأولى
تأتي هذه الواقعة بعد شهر من تداول مقطع فيديو بعنوان “سفاح كرموز يتجول في الشارع بعد قتله أبناءه الأربعة”، حيث أقدم أب على شنق أبنائه الأربعة وإلقاء جثثهم في منطقة الملاّحات، مبرراً جريمته بالتخلص من عبء الإنفاق عليهم، وفق التحقيقات.
كما أظهر مقطع آخر شاباً في الثلاثين من عمره يذبح رجلاً في الخمسينيات بمنطقة أبو الجود بمدينة الأقصر، ثم يمثل بجثته ويتجول برأسه أمام المارة الذين اكتفوا بتصوير الواقعة دون التدخل.
ورصد مرصد العنف الصادر عن مركز التنمية والدعم والإعلام في تقرير يناير 2025 وقوع 143 حالة عنف، بينها 46 جريمة قتل ذات طابع وحشي، منها 18 واقعة في نطاق الأسرة.
في المقابل، تشير المؤشرات الرسمية إلى تراجع معدل الجريمة بنسبة 14.4% خلال عام 2025، وأفاد مركز معلومات مجلس الوزراء بأن مصر احتلت المركز 50 في مؤشر جرائم القتل لكل 100 ألف نسمة الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، مقارنة بالمركز 64 عام 2014.
كما أظهر مؤشر قياس الجريمة في قاعدة بيانات «نامبيو» أن مصر سجلت 47.3 نقطة عام 2024 واحتلت المركز السادس عربيًا والمركز 81 عالميًا بين 147 دولة، وسجلت النسبة نفسها عام 2025، فيما تراجعت في مؤشر السلام العالمي لعام 2025 واحتلت المرتبة 94 بدرجة 2.446 من بين 163 دولة.
ورغم تباين البيانات الرسمية والتقديرات الدولية، يشير الواقع – بحسب ما يعكسه تفاعل الرأي العام – إلى تصاعد ملحوظ في أعمال البلطجة، حتى بات أحد ممثلي الحكومة طرفاً في الجدل ومطالباً بالمحاسبة والإقالة.