تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، باقتراح برغبة إلى رئيس مجلس الشيوخ، موجه إلى وزير الصحة والسكان، حول إنشاء “بنك وطني للأنسجة البشرية” وتفعيل نظام التبرع بالأنسجة بعد الوفاة.
مع التطور الكبير في التكنولوجيا الطبية صار بإمكان الطب الحديث زراعة أعضاء واستبدال خلايا، وزراعة أنسجة، وأصبحت عمليات تصنيع وفصل البلازما، وبنوك القرنية، وبنوك الأنسجة والجلود، ضرورة أساسية يجب على كل دولة الانتباه إليها وتنظيمها.
تحيط بمسألة إنشاء هذه البنوك تحديات عديدة، ترتبط بالفتاوى الشرعية، والضوابط التشريعية، وقضية الضمانات والحماية، إضافة إلى القضية الأهم وهي ضمان “الإتاحة” أي حق المواطن في تلقي هذه الخدمات وإدارتها بحوكمة صارمة ومحايدة تحقق العدالة وتراعي الأولويات، وتمنع تحولها إلى تجارة، أو انحرافها لمسارات تجعل الخدمة بعيدة المنال فتفسد هدفها، أو فتح أبواب الواسطة والمحسوبية، أو اعتبارها مصدرًا للعملة الأجنبية عبر تفضيل التصدير على احتياجات المواطنين.
هل يُعد نقل الأعضاء أمرًا مرفوضًا .. ألا يمثل فرصة حقيقية وطوق نجاة لبعض المرضى .. فلماذا نعارضه؟
لا شك أن المجال مهم ويحتاجه كثيرون، لكن غياب الضوابط قد يقود إلى نتائج كارثية:
غياب معيار تشريعي أو إجراءات طبية دقيقة تحدد اللحظة الفعلية للوفاة التي يُسمح بعدها بنقل الأعضاء، فالأعضاء الرئيسية يجب انتزاعها من جسد حي، لأن الوفاة تفسدها، ووفقًا لذلك يثور القلق من تحول دور الطبيب من محاولة إنقاذ مصاب حادث إلى اعتبار المصاب جسدًا صالحًا لاستخلاص الأعضاء، خاصة مع توقع الأهل للوفاة، وهل تصبح لحظة رفع الأجهزة عن مريض بالعناية فرصة لإبقائه حيًا بالقدر اللازم لنقل أعضائه، فالخطورة هنا تكمن في منطق الاصطياد عبر جراحات الحصد Harvesting surgery، أي قتل إنسان بوسائل طبية لانتزاع أعضائه.
الخطر الآخر يتمثل في ربط الخدمات الصحية والمدنية التي تقدمها الدولة بملف التبرع بالأعضاء دون إتاحة حق الرفض للمواطن، إذ يجب أن تقوم هذه الإجراءات على إرادة حرة خالية من أي إكراه.
ما يجب على الدولة فعله
يتعين على الدولة قبل إقرار تشريع يتيح التبرع بالأنسجة والجلود، توضيح طرق تقديم الخدمة للمواطن، وخطتها لضمان إتاحتها بشكل إنساني للجميع، وشرح كيفية إدارة قوائم الانتظار، ومنع التصدير تمامًا أو ضبط فكرة السياحة العلاجية، حتى لا يتحول المواطنون إلى مخزون بشري يدر عملة صعبة دون اعتبار لاحتياجاتهم.
وبعد ضبط معادلة وصول الخدمة بعدالة يمكن إقرار منظومة التبرع وربطها ببنية جاهزة تخلو من شبهات التربح أو الاحتكار.
ما هي التجارب الشبيهة في مصر؟
أقرت مصر مجموعة قوانين منظمة للقطاع الصحي، في مقدمتها قانون تنظيم عمليات الدم وتجميع البلازما لتصنيع مشتقاتها وتصديرها رقم 8 لسنة 2021، وباعتباره الأقرب لفكرة بنوك الأنسجة والجلود وما قد تنتهي إليه يصبح من الضروري استعراضه.
بدأ الاهتمام الحكومي بمشروع البلازما عام 2016 على خلفية أزمة الدولار والسعي لتوفير بديل محلي لمشتقات الدم، عبر إنشاء مراكز لتجميع البلازما بالتعاون بين الخدمات الطبية للقوات المسلحة والشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات.
وصدر القرار رقم 610 لسنة 2016 بإقرار المدونة المصرية لأساليب تجميع البلازما وتصنيع مشتقات الدم استنادًا إلى مدونة منظمة الصحة العالمية.
تصنيع البلازما
في يناير 2018 أعلن وزير الصحة أحمد عماد تدشين أول مصنع لمشتقات الدم في مصر بتكلفة 6 مليارات جنيه.
وتضمن الإعلان إشارة إلى امتلاك مصر مصدرًا ضخمًا للبلازما الخام باعتباره ثروة قومية مرتبطة بالكثافة السكانية وهو ما مثّل تحولًا نحو تسليع المشروع.
في نوفمبر 2018 أعلنت هالة زايد خطة شاملة لتطوير مراكز الدم بالمحافظات لتجميع البلازما وتصنيعها محليًا.
شراكة فرنسية
في إبريل 2019 أُعلن توقيع اتفاقية لتصنيع البلازما عقب لقاء السيسي وماكرون بالشراكة مع الهيئة الفرنسية لخدمات نقل الدم لإنشاء أول مصنع في إفريقيا والشرق الأوسط.
البلازما مشروع قومي
في فبراير 2020 وصف رئيس الوزراء مشروع مشتقات البلازما بأنه مشروع قومي لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وفي يوليو 2020 أكد مصطفى مدبولي أن الكثافة السكانية تجعل هذه الصناعة واعدة وقادرة على إنتاج كميات كبيرة من البلازما.
الجيش يحتكر تصنيع البلازما
في نوفمبر 2020 أعلن جهاز الخدمة الوطنية شراكة مع شركة جيفولز الإسبانية بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من أدوية البلازما.
وصدر القانون رقم 8 لسنة 2021 لتنظيم عمليات الدم وتجميع البلازما وتصديرها متضمنًا ترتيبات بيع البلازما وتعريف “المتبرع المنتظم” بما يشبه النشاط التجاري مقابل عائد مادي منتظم.
كما ينص القانون على إخطار المراكز باسم المتبرع غير اللائق بما يثير مخاوف تتعلق بخصوصية بياناته الصحية.
ويجيز لمراكز التجميع التصرف فيما تجمعه للمصانع المحلية أو تصديره إلى الخارج.
وعقب صدور القانون تأسست شركة Grifols Egypt For Plasma بين جهاز الخدمة الوطنية وشركة جيفولز الإسبانية.
في يوليو 2021 أعلنت وزيرة الصحة إطلاق المشروع القومي لتصنيع مشتقات البلازما وإسناده للشركة.
وفي سبتمبر 2022 اعتُبر مشروع فصل البلازما مشروعًا استراتيجيًا قوميًّا ما منح الشركة الرخصة الذهبية لإنشاء المصنع و20 مركز تجميع.
في نوفمبر 2022 أُعلن إرسال أول شحنة من البلازما المصرية إلى الخارج لتصنيعها.
وفي يونيو 2023 أعلنت وزارة الدفاع وصول أولى شحنات الألبومين المشتقة من البلازما المصرية.
وفي أكتوبر 2023 أُسس أول مصنع لمشتقات البلازما في المدينة الطبية بالعاصمة الإدارية.
وخلال مؤتمر “حكاية وطن” في أكتوبر 2023 دعا السيسي الطلاب للتبرع بالبلازما لتحقيق دخل مادي.
وأصدر رئيس الوزراء القرار 1134 لسنة 2025 محددًا مقابل التبرع بحد أقصى 733 جنيهًا يشمل نفقات الانتقال والتغذية.