في صباحٍ هادئ على أطراف الساحل الشمالي، وقف أحمد محمود عيسى أمام أرضه التي امتلكها منذ أكثر من عشرين عاماً، يتفقد محصوله وشبكات الري التي أنفق عليها مدخرات عمره، قبل أن تتحول فجأة من مصدر أمان واستقرار إلى ساحة نزاع مفتوحة.
لم يتخيل الرجل أن أرضاً اشتراها في مزاد رسمي من الدولة، وسدد كامل ثمنها، ستكون محل اتهام بـ “وضع اليد”، في نزاع ارتبط لاحقاً بتدخلات جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، أو أن يجد نفسه مطالباً بالتوقيع على عقود لا يعرف مضمونها، مقابل الإفراج عن سيارات محملة بمحاصيله.
عبر حسابه على موقع “فيسبوك”، أطلق عيسى استغاثة وصف فيها ما يتعرض له هو ومئات المزارعين من ضغوط وتهديدات، قال إنها صدرت من جهاز مستقبل مصر.
وأكد أن سيارات تابعة للقوات الجوية والشرطة العسكرية بدأت مداهمتها للأراضي في أبريل 2024، واستمرت هذه المداهمات على فترات حتى الآن، ووجّهت خلالها اتهامات للملاك باغتصاب الأراضي، رغم تقديمهم جميع المستندات الرسمية، من عقود ملكية وكروت فلاح وسداد كامل الثمن، فضلاً عن الاستناد إلى القرار الجمهوري رقم 76 لسنة 2020، الذي يُقر بأن جهة الولاية هي محافظة مطروح.
شهادات من قلب الأرض
وفي شهادة أخرى، روى اللواء المتقاعد سعيد حمادي، في مقطع صوتي عبر “فيسبوك”، تفاصيل معاناته بعد أن قضى 30 عاماً في خدمة القوات المسلحة.
قال حمادي إنه قرر استثمار مكافأة نهاية خدمته وما ورثه عن والده في شراء أرض من الهيئة العامة للتعمير والتنمية الزراعية عام 2004، واستلمها رسمياً في 2006، ليبدأ رحلة استصلاح شاقة استمرت سنوات.
وبحسب روايته، أبلغه جهاز “مستقبل مصر” لاحقاً بأن الأرض أصبحت تابعة له بقرار جمهوري. وعندما توجه إلى مقر الجهاز في العلمين لم يُسمح له بمقابلة أي مسؤول، بل أُرسل له أحد الجنود، رغم تعريفه بنفسه كضابط سابق.
وأكد أن محاولاته لشرح موقفه القانوني قوبلت بتجاهل كامل، قبل أن تبدأ حملات طرد العمال من الأرض، ومصادرة سيارة محملة بمحصول الطماطم، ومحاولة إجباره على توقيع عقد استئجار لأرض يقول إنه يملكها بالفعل.
وأشار حمادي إلى أن القرار الجمهوري رقم 76 لسنة 2020 ينص صراحة على مراعاة التصرفات السابقة، وأن المنطقة “أ” التي تقع بها أرضه تقع تحت ولاية محافظة مطروح، معتبراً أن التعنت أدى في النهاية إلى تحويل أرضه المستصلحة إلى أرض بور.
وفي شهادة مماثلة، أكد الدكتور حسن حسن عربان، مالك عدة قطع أراضٍ بالساحل الشمالي، خلال مقطع صوتي، أنه اشترى الأرض في مزاد علني وسدد كامل مستحقات الدولة، واستلمها رسمياً عام 2007، قبل أن يفاجأ في أبريل 2024 بمداهمات من الشرطة العسكرية والقوات الجوية، واتهامه باغتصاب الأرض، دون الاعتراف بأي من مستندات الملكية.
من الساحل الشمالي إلى الفيوم
لم تقتصر الشكاوى على الساحل الشمالي، ففي قرية منشأة الجمال بمحافظة الفيوم، تحدث مواطنون عن استيلاء جهاز “مستقبل مصر” على أراضٍ مملوكة لنحو 1600 شخص.
ووجّه المواطن محمد عطا استغاثة مباشرة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، قال فيها إن دخول الجهاز أدى إلى تعطيل مزارع جمعية الفيوم الجديدة التعاونية بالقوة، ومنع المزارعين من دخول أراضيهم، ما انعكس بشكل مباشر على مصادر رزقهم.
وفي سياق متصل، تقدم قرابة ألفي مستثمر مصري باستغاثة جماعية بشأن الاستيلاء على نحو 30 ألف فدان بطريق الواحات البحرية، مؤكدين أنهم اشتروا الأراضي منذ عام 2015 من شركات مسجلة رسميًا، واستثمروا عشرات الملايين من الجنيهات في شق الطرق وتركيب شبكات الري والبنية الأساسية.
من الأراضي إلى المصانع
الانتقادات لم تتوقف عند النشاط الزراعي، فقد امتدت إلى القطاع الصناعي، حيث اتهم مصطفى العوضي، مالك شركة “طيبة” لصناعة اللحوم والدواجن بالإسكندرية، ضباطاً وأفراداً من جهاز “مستقبل مصر” بالاستيلاء على شركته، وتهديده بتلفيق قضايا، رغم امتلاكه مستندات قانونية تثبت الملكية.
وأوضح أن الشركة، التي تشغل أكثر من 400 عامل وتبلغ قيمتها السوقية أكثر من 300 مليون جنيه، استولى الجهاز على مصنعين مجهزين بالكامل تابعين لها، إلى جانب فروع بيع ومخازن وسيارات، رغم أن الشركة غير مديونة لأي جهة حكومية، وكانت تصدر منتجاتها إلى الخارج.
من الدلتا لكل أراضي مصر
في 28 يناير 2026، صدر أحدث قرار لمجلس الوزراء بنقل ولاية 32 قطعة أرض لصالح محافظات (أسيوط، البحر الأحمر، الوادي الجديد، بني سويف، مطروح، الغربية)، بالإضافة إلى 14 قطعة أرض أخرى بمساحة 606 آلاف فدان بنطاق محافظة البحيرة، من ولاية هيئة التعمير والتنمية الزراعية، لصالح جهاز “مستقبل مصر”، بموجب موافقة المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة.
وسبق ذلك في مايو 2024 صدور قرار جمهوري بتخصيص قطعتي أرض للجهاز بمساحة تصل إلى نحو 938 ألف فدان بنطاق محافظات بني سويف والمنيا وأسوان.
وفي يوليو 2025، صدر قرار رئاسي بإعادة تخصيص خمس قطع أراضٍ تابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بمحافظة الجيزة، إلى جانب قطعة أرض من وزارة الري.
واستحوذ جهاز “مستقبل مصر” في 18 أغسطس 2025 على حصة تقترب من 89.66% من رأسمال شركة العربية لاستصلاح الأراضي، مقابل 23.3 مليون جنيه، ورفع الجهاز حصته في شركة “المنصورة للدواجن” من 4.76% إلى 22.55% مقابل 212.6 مليون جنيه.
الغذاء والصحة
في إطار توسع نشاطه، أعلن المتحدث باسم الجهاز، المقدم خالد صلاح، أن “مستقبل مصر” يعتزم إنشاء مصنع لإنتاج ألبان الأطفال بتكلفة تقدر بنحو 500 مليون دولار، بالشراكة مع القطاع الخاص على أن يبدأ التشغيل الفعلي بداية عام 2027.
وفي 2 يونيو 2025، بحث رئيس الجهاز، بهاء محمد الغنام، مع نائب رئيس الوزراء وزير الصحة خالد عبد الغفار، الفرص الاستثمارية في قطاع الصحة وسبل تطويرها.وفي سبتمبر 2025 استحوذ الجهاز على 8.77% من أسهم الشركة الدولية للصناعات الطبية “إيكمي”، مقابل 22.773 مليون جنيه.
ورفع الجهاز حصته في “أجواء للصناعات الغذائية” إلى 5.86% بعد شراء نحو 181.25 ألف سهم بقيمة 21.2 مليون جنيه.
مستثمر عقاري
لم يتوقف التوسع عند الزراعة والصناعة، ففي 1 يونيو 2025، شهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مراسم التوقيع على عقود مشروع “جريان” العقاري بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، على مساحة 1600 فدان.
ويُنفذ المشروع بشراكة بين الدولة، ممثلة في جهاز “مستقبل مصر”، عبر شركة “نيشنز أوف ذا سكاي” التي أسسها الجهاز بالتعاون مع جهة سيادية، وتتولى مسؤولية البناء، بينما تتولى شركتا “بالم هيلز” و”ماونتن فيو” مهام تسويق وإدارة التجمعات السكنية الخاصة بهما.
وفي 29 مارس 2025، وقع الجهاز مذكرة تفاهم مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لتأسيس شركة مساهمة مصرية تحت اسم “Modon”، تتولى تقديم خدمات إدارة وصيانة وتشغيل المباني.
فضيحة استيراد القمح
في ملف الغذاء، كشفت وثائق رسمية عن إسناد عمليات شراء القمح المستورد إلى جهاز “مستقبل مصر” بدلًا من الهيئة العامة للسلع التموينية.
بموجب خطاب موجه من شريف فاروق، وزير التموين، إلى أوكسانا لوت، وزيرة الزراعة الروسية، بتاريخ 5 ديسمبر 2024، تم إخطار الجانب الروسي بأن جهاز “مستقبل مصر سيتولى جميع الاختصاصات التي كانت تقوم بها الهيئة العامة للسلع التموينية في السابق”.
وفي 28 يناير 2026، تقدم عضو مجلس النواب أحمد فرغلي بطلب إحاطة إلى وزير التموين، قال فيه إن هيئة السلع التموينية تستورد طن القمح عبر جهاز “مستقبل مصر” بسعر 270 دولاراً للطن، في حين يبلغ السعر العالمي نحو 240 دولاراً، ومع استيراد مصر قرابة 5 ملايين طن سنوياً، يصل الفارق إلى نحو 150 مليون دولار.
وأضاف فرغلي أن متوسط السعر العالمي لطن زيوت الطعام يبلغ 1100 دولار، بينما جرى استيراده بسعر 1250 دولاراً للطن.
أرقام صادمة لعمولات القمح
في المقابل، علّق المواطن جمال والي عبر حسابه على “فيسبوك” على ما ورد في طلب الإحاطة، معتبراً أن رقم 5 ملايين طن لا يتسق مع البيانات الرسمية الصادرة عن الجمارك المصرية.
وأوضح أن واردات مصر من القمح بلغت 13.11 مليون طن خلال عام 2025، مقابل 14.2 مليون طن في 2024، و10.8 ملايين طن في 2023.
وأشار إلى أن مصر تعتمد على الاستيراد لتوفير أكثر من 90% من احتياجاتها من الزيوت، بإجمالي استهلاك سنوي يتراوح بين 2.2 و2.4 مليون طن، وأن واردات عام 2025 بلغت نحو 1.9 مليون طن من زيوت دوار الشمس والنخيل والصويا، وفق بيانات أعلنها وزير التموين ورئيس شعبة الزيوت باتحاد الصناعات الغذائية.
وأوضح “والي” أن هذه العمولات تعني أعباء إضافية تُحمّل في النهاية على مخصصات دعم السلع التموينية، المقدرة بنحو 160 مليار جنيه سنويًا.
وانتقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية التوسع المتزايد للأجهزة الأمنية والشركات العامة في النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى استحواذها على أكثر من 70% من الاستثمارات العامة، في وقت يُطلب فيه من القطاع الخاص توفير أكثر من 60% من الاستثمارات اللازمة لتحقيق النمو وتوفير فرص العمل.
ملاحقة المنتقدين
ولم يتوقف الجدل عند الجوانب الاقتصادية فقط. فقد كشف المهندس والباحث في الصناعات الدفاعية مؤمن أشرف عن تعرض منشوراته التي تناولت أداء جهاز “مستقبل مصر” للحذف المتكرر على موقع “فيسبوك”.
وقال أشرف، في فيديو مصور، إنه تلقى اتصالاً هاتفياً استمر أكثر من 40 دقيقة من شخص ادعى عمله بشركة لإدارة المحتوى الرقمي، أبلغه خلاله بوجود طلب لجمع معلومات تفصيلية عنه وعن أسرته وأصدقائه، تمهيداً لإغلاق صفحته.
تأسس جهاز مستقبل مصر رسميا في 2022 بهدف تحقيق التنمية المستدامة عبر مشروعات استصلاح الأراضي وزراعتها، وتصنيع الأغذية، وتنمية الثروة الحيوانية والسمكية، والتوسع في المجتمعات الذكية، لتلبية احتياجات الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد القومي المصري.
وبينما تتسع دائرة الشهادات والوقائع والقرارات الرسمية التي تعيد تشكيل خريطة ملكية الأراضي والنشاط الاقتصادي في مصر، يظل غياب الرد الرسمي من جهاز “مستقبل مصر” حول هذه الاتهامات عاملاً رئيسيًا في تعميق القلق لدى المتضررين.