لم تكن فاطمة حسن، ربة المنزل الأربعينية، تتوقع أن يتحول قرارها بشراء أثاث جديد بالتقسيط إلى واحدة من أقسى التجارب التي تمر بها أسرتها.
العرض بدا في البداية مريحاً؛ أقساط شهرية ميسرة دون دفع مقدم، وفرصة لتجديد المنزل في ظل ارتفاع الأسعار.
لكن بعد ستة أشهر فقط، فقد زوجها عمله نتيجة الركود الاقتصادي، لتجد الأسرة نفسها عاجزة عن سداد الأقساط، ومع تراكم الرسوم المتأخرة بدأت التحذيرات القانونية، وانتهى الأمر بخسارة جزء من مدخرات الأسرة لتسوية الدين والدخول في شهور طويلة من الضيق المالي والقلق المستمر.
قصة فاطمة تعكس واقعاً بات يتكرر في بيوت مصرية كثيرة، في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة وسهولة الوصول إلى القروض الاستهلاكية، وهو واقع تؤكده بيانات حديثة صادرة عن معهد التمويل الدولي، كشفت عن تصاعد غير مسبوق في ديون الأسر المصرية منذ قرار تعويم الجنيه الأخير في مارس 2024، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الحياة وانتشار تطبيقات التمويل الاستهلاكي التي جعلت الاقتراض أسرع وأبسط من أي وقت مضى.
ديون الأسر
وبحسب بيانات المعهد، ارتفعت ديون الأسر المصرية بنحو 7 مليارات دولار، بما يعادل زيادة تقارب 35%، لتصل إلى 28.2 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2025، مقارنة بـ21 مليار دولار في الربع الأول من عام 2024، وهو ما يعادل نحو 1.5 تريليون جنيه مصري.
وأوضح المعهد أن إجمالي هذه الديون يمثل نحو 7% من الناتج القومي المصري البالغ قرابة 400 مليار دولار، ما يعكس اعتماداً متزايداً للأسر على الاقتراض لمواجهة متطلبات المعيشة.
وأشار التقرير إلى أن ديون الأسر المصرية تنقسم إلى نوعين رئيسيين، الأول قروض استهلاكية تُستخدم في شراء السلع المعمرة والكمالية مثل الهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية، ويتم الحصول عليها في الغالب عبر تطبيقات التمويل الاستهلاكي المنتشرة في السوق، أما النوع الثاني فيتمثل في قروض استثمارية يأتي في مقدمتها التمويل العقاري وبعض القروض المرتبطة بشراء أصول قابلة للرهن.
وخلال عام 2025، شهد نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر طفرة كبيرة، حيث بلغ عدد المستفيدين نحو 8.1 مليون عميل خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، حصلوا على تمويلات بقيمة 66 مليار جنيه، مقارنة بـ2.9 مليون عميل فقط حصلوا على تمويلات بقيمة 41.9 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2024، مسجلاً زيادة بنسبة 179.4% في عدد العملاء و57.5% في قيمة التمويلات، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية.
وأظهرت البيانات أن المواطنين حصلوا على تمويلات بقيمة 2.04 مليار جنيه لشراء الأثاث وتجهيزات المنازل خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، بما يمثل نحو 3.1% من إجمالي نشاط التمويل الاستهلاكي، ما يعكس امتداد التقسيط إلى تلبية احتياجات أساسية داخل البيوت المصرية.
قصص من قلب الأزمة
وفي مقابل هذه الأرقام، تتكشف قصص إنسانية تعكس حجم الضغوط التي تعيشها شرائح مختلفة من المجتمع.
فالمواطن محمد علي، تاجر صغير في الخمسينيات من عمره، يروي أنه لجأ إلى شراء معدات لمحله بقيمة 50 ألف جنيه بنظام التقسيط على 12 شهراً على أمل تحسين دخله، إلا أن ارتفاع أسعار الوقود وتراجع المبيعات أديا إلى تعثره في السداد، لتفرض عليه الشركة فوائد إضافية، ما اضطره إلى بيع جزء من المعدات بثمن بخس لتغطية التزاماته، متكبداً خسائر قدرت بنحو 20 ألف جنيه.
وفي حالة أخرى، يروي أحمد محمود، موظف في منتصف الثلاثينيات وأب لطفلين، كيف دفعه تراجع دخله وارتفاع تكاليف التعليم والمعيشة إلى الاعتماد على أكثر من أداة تمويل في الوقت نفسه.
بدأ الأمر بقرض بسيط لشراء هاتف محمول بالتقسيط، ثم لجأ إلى بطاقة ائتمان لتغطية مصروفات المدارس، قبل أن يحصل على تمويل استهلاكي آخر لشراء أجهزة منزلية أساسية.
ومع مرور الوقت، وجد نفسه يسدد أقساطاً شهرية تلتهم أكثر من نصف دخله، ما اضطره إلى الحصول على قرض جديد لسداد التزامات قائمة، ليقع في حلقة مفرغة من الديون والضغوط النفسية المستمرة.
وفي مشهد آخر يعكس البعد الإنساني للأزمة، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً لسيدة خمسينية أكدت لجوءها إلى الاقتراض من إحدى الجمعيات لعلاج نجلها، لكنها عجزت عن السداد وتواجه مصيراً مجهولاً.
تحذيرات الخبراء
وفي ظل هذا الواقع، حذر الإعلامي محمد علي خير من تنامي ديون الأسر، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الدخول المحلية لا تتحمل هذا الحجم من الاقتراض، خاصة مع انتشار ثقافة الاستدانة السهلة عبر المتاجر الكبرى وتطبيقات التمويل الاستهلاكي.
وأوضح “خير” أن الفوائد المفروضة على بعض هذه القروض قد تصل إلى 30% سنوياً، مقارنة بفوائد أقل نسبياً في البنوك تقارب 12%، مشيراً إلى أن اقتراض 100 ألف جنيه قد ينتهي بسداد ما بين 190 و200 ألف جنيه خلال ثلاث سنوات، مؤكداً أن الاقتراض لتلبية احتياجات أساسية أو لتمويل سكن قد يكون له مبرر، بينما يمثل الاقتراض لأغراض ترفيهية أو استهلاكية بحتة خطراً حقيقياً.
من جانبه، قال الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد بجامعة النيل، إن السنوات الأخيرة شهدت طفرة في القروض الشخصية وبطاقات الائتمان والتسهيلات الاستهلاكية سواء عبر البنوك أو شركات التمويل غير المصرفي، إلا أن هذه القروض تدفقت في معظمها إلى تمويل سلع استهلاكية سريعة التلف أو محدودة القيمة بدلاً من توجيهها إلى أصول قابلة للرهن.
وأوضح أن خطورة هذه القروض تكمن في التسييل النقدي للتمويل الاستهلاكي وتحوله إلى سيولة تُنفق في غير الغرض المصرّح به، ما يضاعف مخاطر التعثر، خاصة عندما يلجأ بعض العملاء إلى استخدام بطاقات الائتمان لسداد التزامات قائمة، فتتراكم طبقات من الديون تتجاوز قيمة الأصل الممول، لافتًا إلى أن تراجع القدرة الشرائية دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لتغطية الضروريات، في تحول واضح من الاستهلاك الترفيهي إلى استهلاك دفاعي.
تدخل رقابي
وأمام هذا المشهد المتفاقم، تدخلت الهيئة العامة للرقابة المالية، حيث أصدرت في 18 سبتمبر 2025 قراراً يُلزم الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي بإنشاء قائمة حظر شاملة لكل من يثبت تورطه في التسييل النقدي للقروض الاستهلاكية، مع وقف التعامل معهم فوراً واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، إلى جانب الربط الإلكتروني مع الهيئة وإخطار شركات الاستعلام الائتماني ببيانات المتورطين، في إطار مساعٍ لضبط السوق وحماية الاقتصاد والأسر من مخاطر التوسع غير المنضبط في الاقتراض.
وعلى الصعيد الشرعي، أوضح هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن التمويل الاستهلاكي المخصص لشراء السلع والخدمات جائز شرعاً، إلا أن التحايل لتحويل هذا التمويل إلى نقد يُعد قرضاً جرّ نفعاً للمقرض، وهو عين الربا المحرم، مؤكداً أن حظر بعض التطبيقات لسحب الرصيد نقداً يثبت أن طبيعة هذه المعاملات تقوم على البيع الآجل وليس الإقراض النقدي.
وبين ضغوط المعيشة وسهولة الاقتراض، تجد الأسر نفسها أمام معادلة مالية شديدة التعقيد، حيث بات التقسيط حلاً سريعاً لأزمات آنية، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة إذا تجاوز حدود الدخل والقدرة على السداد.