جمارك الموبايلات.. تشعل غضب المصريين في الخارج وتهديدات بوقف التحويلات

أنهت مصلحة الجمارك المصرية، بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، العمل بنظام الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الواردة من الخارج، وبدأ تطبيق القرار بشكل فوري اعتباراً من ظهر يوم 21 يناير، مع منح مهلة تشغيل مؤقتة مدتها 90 يوماً فقط، يعقبها سداد الرسوم المستحقة أو إيقاف الجهاز عن العمل على شبكات الاتصالات المحلية.
 
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن مصلحة الجمارك، كان هذا الإعفاء يسمح لكل مصري قادم من الخارج بإدخال هاتف محمول واحد للاستخدام الشخصي دون رسوم مرة واحدة كل ثلاث سنوات، قبل أن يتم إلغاؤه بشكل مفاجئ، ودون إعلان مسبق أو فترة انتقالية تتيح للمواطنين التكيف مع التغيير.
 
القرار أعاد فتح ملف جمارك الهواتف المحمولة على نطاق واسع، وأثار جدلاً سياسياً واقتصادياً وبرلمانياً، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بالمصريين المقيمين في الخارج، الذين تمثل تحويلاتهم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.

غضب المغتربين

 
على منصات التواصل الاجتماعي، تداول مصريون مقيمون في الخارج مقاطع فيديو عبّروا فيها عن غضبهم من القرار، معتبرين أنه يستهدفهم بشكل مباشر، ويتجاهل دورهم الاقتصادي، ويبعث برسالة سلبية بشأن ارتباطهم بالوطن أو عودتهم إليه.
 
في أحد المقاطع المتداولة، قال مغترب مصري مقيم في الخليج: “عايزين على الموبايلات، وعايزين على اللابتوب، وعايزين على الساعات والملابس، كأن الرسالة واضحة: ما تنزلوش مصر، بس ابعتوا فلوس”.
 
وفي تسجيل آخر، قال مغترب مصري يعمل في أوروبا: “أقسم بالله ما هحوّل فلوس تاني على أي بنك في مصر طول ما القرار ده موجود”.
 
كما عبّر مغتربون آخرون عن استيائهم من فرض رسوم على هواتف محمولة مستعملة تم إدخالها كهدايا لأسرهم، فيما تساءل آخرون عن جدوى الحديث عن التصنيع المحلي في ظل غياب بدائل منافسة لعلامات عالمية مثل آيفون وسامسونغ، وارتفاع الأسعار داخل السوق المصرية مقارنة بالخارج، وهو ما تزامن مع تصدر وسوم مثل جمارك الموبايلات والمصريين بالخارج على منصات التواصل الاجتماعي.

التبرير الرسمي

بررت مصلحة الجمارك المصرية القرار بأنه يأتي ضمن تطبيق منظومة حوكمة الهواتف المحمولة، التي تهدف إلى تنظيم السوق ومنع التهريب.
 
وقال أحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك، في تصريحات صحفية، إن الإعفاء الاستثنائي كان إجراءً مؤقتاً لحين توافر هواتف مصنّعة محلياً داخل السوق المصرية.
 
وأوضح أموي أن السوق شهدت دخول نحو 15 شركة عالمية لتصنيع الهواتف المحمولة في مصر، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يفوق احتياجات السوق المحلية، معتبراً أن المرحلة الحالية لم تعد تتطلب استمرار الإعفاء السابق.
 
من جانبه، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن منظومة تسجيل الهواتف المحمولة عبر تطبيق “تليفوني” ستظل الوسيلة القانونية الوحيدة لتشغيل أي جهاز وارد من الخارج بعد انتهاء فترة السماح، مؤكداً أن الهدف من هذه المنظومة هو إحكام الرقابة على سوق الهواتف وتنظيم تداول الأجهزة.

حق الملكية

ينص الدستور المصري الصادر عام 2014 في المادة (35) على أن: “الملكية الخاصة مصونة، لا تُمس، إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا، وفقًا للقانون”.
وبموجب القرار الصادر عن مصلحة الجمارك والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يُمنح مالك الهاتف مهلة 90 يوماً فقط لسداد الرسوم والضرائب المفروضة، قبل تعطيل الجهاز نهائياً عن العمل على شبكات الاتصالات داخل مصر.

أرقام وجدال

وفق بيانات منشورة عن وزارة المالية وتقارير رقابية متخصصة، تتراوح الرسوم المفروضة على الهواتف الواردة من الخارج بين 24% و38.5% من قيمة الجهاز، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الرسوم قد يصل إلى نحو 75% عند احتساب جميع البنود، وهو ما يضاعف التكلفة النهائية على المغتربين.
 
وتُظهر مقارنات سعرية نشرتها أن بعض الهواتف المصنّعة محليًا تُباع في السوق المصرية بأسعار تفوق نظيرتها في دول مثل السعودية والإمارات، إذ يبلغ سعر هاتف سامسونغ A35 المصنع محليًا في مصر نحو 15.7 ألف جنيه، بينما يبلغ سعره في السعودية نحو 9.7 آلاف جنيه شامل الضريبة، بفارق يتجاوز 60%.
 

تحرك برلماني

سياسيًا، دفع القرار عددًا من أعضاء مجلس النواب إلى التحرك، حيث تقدمت النائبة صافيناز طلعت، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري المالية والاتصالات، معتبرة القرار ضررًا مباشرًا بالمصريين في الخارج.
 
كما تقدم النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، بسؤال برلماني حول تداعيات القرار، في حين أعلنت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، برئاسة النائبة مها عبد الناصر، عزمها مناقشة القرار.
 
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي حسن الصادي أن القرار “خاطئ في توقيته”، محذرًا من أن العائد المالي منه قد لا يعوّض أي تراجع محتمل في تحويلات المصريين بالخارج.
 
بدوره، أوضح وليد رمضان، نائب رئيس شعبة المحمول بالغرفة التجارية، أن المواطن هو المتضرر الأكبر، مشيرًا إلى أن ضبط السوق لا يتحقق بالرسوم وحدها، بل بتوفير منافسة حقيقية وأسعار عادلة.
 
كما أكد أحمد خطاب، المتخصص في الشؤون الاقتصادية، أن نجاح التصنيع المحلي مرهون بقدرة المنتج على المنافسة السعرية والتكنولوجية، مشددًا على أن المستهلك لن يقبل ببديل أقل كفاءة.
 
بين أرقام التحويلات القياسية ورسوم الهواتف المتصاعدة، يقف قرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي عند تقاطع حساس بين احتياجات الدولة وثقة مواطنيها في الخارج.
أضف تعليقك
شارك