عبودية بأجر: 20 جنيهاً في الساعة الإضافية.. القطاع الخاص يستنزف العمال بتواطؤ حكومي

أثار قرار جمعية مستثمري بورسعيد بزيادة عدد ساعات العمل اليومية في المنشآت الصناعية موجة واسعة من الجدل والغضب بين العمال ومنظمات المجتمع المدني، خاصة أنه يأتي في وقت تعترف فيه الحكومة رسمياً بضعف أجور العاملين، لا سيما في القطاع الخاص، وهو ما اعتبره منتقدون تحميلاً إضافياً للعمال بدلاً من تحسين أوضاعهم المعيشية.

ماهو سند هذا القرار؟

استندت جمعية مستثمري بورسعيد في قرارها إلى قرار وزير العمل محمد جبران رقم 290 لسنة 2025، الصادر في 3 يناير 2026، بشأن تنظيم ساعات العمل والراحة داخل المنشآت الصناعية، تنفيذاً لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي وافق عليه مجلس النواب في أبريل 2025.

وينص القرار الوزاري على ألا تتجاوز ساعات العمل الفعلية ثماني ساعات يومياً أو 48 ساعة أسبوعياً، دون احتساب فترات الراحة والطعام، على ألا تزيد المدة بين بداية يوم العمل ونهايته عن عشر ساعات يومياً.

وأجاز القرار لصاحب العمل تنظيم ساعات العمل في الأعمال المتقطعة بطبيعتها، شريطة ألا تتجاوز مدة تواجد العامل داخل المنشأة 12 ساعة يومياً، مع إلزامه بمنح العمال أجراً إضافياً عن ساعات العمل الفعلية الزائدة، وإمساك سجل ورقي أو إلكتروني يُدون فيه عدد ساعات العمل الأصلية والإضافية وفترات الراحة وساعات التواجد.

وحدد القرار الأعمال المتقطعة، وتشمل: النقل البري والبحري والجوي، مستودعات المحاصيل الزراعية، ربط السفن وإصلاحها أثناء العبور، الرعاية الصحية الطارئة، الخدمات اللوجستية، الدعم الفني الرقمي عبر الإنترنت، ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.

تفاصيل تطبيق القرار

وبحسب خطاب رسمي مؤرخ في 12 يناير 2026، أرسله المهندس حسام الدين جبر، رئيس جمعية مستثمري بورسعيد، عقب اجتماع لأصحاب المشروعات الصناعية بمقر الجمعية، تقرر رفع عدد ساعات العمل الفعلية إلى ثماني ساعات يومياً، لا تشمل فترات الطعام والراحة، تنفيذاً للقرار الوزاري المشار إليه.

وأشار الخطاب إلى أن تطبيق القرار سيبدأ اعتباراً من السبت 17 يناير 2026، مع منح جميع العاملين بالمشروعات الصناعية زيادة شهرية موحدة قدرها 500 جنيه، تُصرف اعتباراً من أجر شهر يناير 2026، بواقع 20 جنيهاً عن كل ساعة عمل إضافية.

ويعني هذا التطبيق، وفق منتقدين، توحيد ساعات العمل داخل عدد كبير من المصانع، دون مراعاة الفروق بين طبيعة الوظائف أو أوضاع العمال الاجتماعية والمعيشية، خاصة العمالة المغتربة والعاملين بنظام الورديات.

غضب العمال اليومي

قوبل القرار بحالة غضب واسعة بين العمال، الذين اعتبروا أن ساعة العمل الإضافية لا تعني فقط وقتاً أطول داخل المصنع، بل تمتد آثارها إلى المواصلات والحياة الأسرية والقدرة على الراحة.

وقال ممدوح أبو حسين: “لازم وقفة حازمة من جميع العاملين، الساكت عن الحق شيطان أخرس”.

فيما قال أحمد محمد: “نشتغل في مفرمة، وقت الراحة لا يكفي حتى للأكل، والعمالة المغتربة تصل بيوتها المغرب، وبعد الزيادة هيروحوا إمتى؟”.

وقال أحمد غريب: “اللي شغال ورديتين يرجع بيته الفجر ويعود الساعة 7 صباحاً.. الأفضل نفرش كراتين قدام المصنع”.

وقالت ولاء أحمد إن القرار فُرض دون دراسة، معتبرة أنه يجبر العمال على قضاء نصف يومهم في العمل والنصف الآخر في انتظار المواصلات، مع توحيد مواعيد خروج المصانع بما يفوق قدرة الطرق ووسائل النقل على الاستيعاب، فضلاً عن تأثيره على العمال الذين يعملون في ورديات ثانية ويضطرون للتخلي عنها بسبب ضيق الوقت.

وأكد عمال أن القرار يضغط عليهم بدنياً وزمنياً، ويقضي على أي فرصة للعمل الإضافي أو التوازن بين العمل والحياة، معتبرين أنه فُرض دون أي تشاور أو حوار.

تكلفة اجتماعية واقتصادية

من جهتها، وصفت المفوضية المصرية لحقوق الإنسان القرار بأنه ينطوي على “انتهاك جسيم للحق في شروط عمل عادلة ومنصفة”، مؤكدة أنه يخالف قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي يحظر أي إجراء ينتقص من حقوق العامل أو يقلل من المزايا الأكثر فائدة له.

وأوضحت المفوضية أن زيادة ساعة عمل يومياً تعني تحميل العمال 24 ساعة إضافية شهرياً، مقابل أجر لا يتجاوز 20 جنيهاً للساعة، وهو مقابل “غير عادل اقتصادياً أو قانونياً”، ويؤدي عملياً إلى خفض قيمة الأجر الحقيقي بالساعة.

وأكدت أن نظام السبع ساعات اليومي يُعد حقاً مكتسباً لا يجوز المساس به، وأن الزيادة الموحدة لجميع العمال دون تمييز في الأجور أو الخبرات تمثل إخلالاً بمبدأ العدالة الأجرية.

وحذرت المفوضية من خطورة القرار لصدوره دون أي حوار اجتماعي أو مشاركة عمالية، وفي سياق تشهد فيه المنطقة انتهاكات متكررة، كان آخرها فصل تسع عاملات من مصنع “أكاي”، إحداهن حامل، وإجبارهن على العمل الليلي بالمخالفة للقانون.

وأكدت تعارض القرار مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها اتفاقية ساعات العمل رقم 1 لسنة 1919، واتفاقية حماية الأجور رقم 95 لسنة 1949، واتفاقية المفاوضة الجماعية رقم 98.

ومن جانبه، قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، نائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي، إن الأجور والبدلات شكلت أكثر من 85% من أسباب الاحتجاجات العمالية منذ مطلع الألفية الثالثة، مشيراً إلى أن المجلس الأعلى للأجور والأسعار لا ينعقد بانتظام، وعندما يجتمع يفتح الباب أمام أصحاب الأعمال للتهرب من تطبيق الحد الأدنى للأجور بحجة الخسائر.

وبحسب النشرة السنوية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 8 يناير 2026، بلغ متوسط أجر العامل في القطاع العام وقطاع الأعمال العام 14.66 ألف جنيه، بزيادة 26.6%، أي ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف متوسط أجر العامل في القطاع الخاص، الذي بلغ 5796 جنيهاً.

وأظهرت البيانات أن متوسط عدد ساعات العمل الشهرية للعاملين في القطاع الخاص بلغ 221 ساعة، مقابل 187 ساعة فقط للعاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام.

وتشير الإحصاءات إلى أن عدد العاملين في منشآت القطاع الخاص يبلغ 13.18 مليون عامل، مقابل 855.5 ألف عامل في القطاعين العام والأعمال العام، فضلاً عن نحو 12 مليون عامل ضمن العمالة غير المنتظمة، يعمل أغلبهم دون حماية قانونية أو تفاوض جماعي

أضف تعليقك
شارك