على مدار أكثر من ثلاث ساعات، ظلت فرق الإطفاء تكافح ألسنة اللهب داخل مصنع بلاستيك بالمنطقة الصناعية في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، فيما غطّت سحب الدخان الكثيف المكان، ونُقلت سيارات الإسعاف المصابين إلى المستشفى.
داخل المنشأة الممتدة على نحو ستة آلاف متر مربع، أصيب 18 عاملاً بحالات اختناق وإصابات متفرقة، فيما وُصفت الخسائر المادية بأنها جسيمة، في حريق بدأ داخل مخزن يضم مواد شديدة الاشتعال.
ولم يكن حريق أكتوبر حادثاً معزولاً، إذ شهد اليوم نفسه، وبعد ساعات من السيطرة عليه، اندلاع حريق آخر داخل مصحة خاصة لعلاج الإدمان في مدينة بنها بمحافظة القليوبية، أسفر عن مصرع سبعة أشخاص وإصابة 11 آخرين بحالات اختناق، جرى نقلهم إلى مستشفيات بنها التعليمي والجامعي لتلقي الرعاية الطبية.
ووفق تقارير طبية، وصلت الحالات السبع في توقف تام لعضلة القلب دون نبض أو تنفس نتيجة اختناق حاد بالدخان، مع تسجيل حروق من الدرجة الثالثة في حالتين.
وأشار شهود عيان من سكان المنطقة المحيطة بالمصحة إلى كثافة الدخان وصعوبة الإخلاء خلال الدقائق الأولى من الحريق، مشيرين إلى وجود عوائق داخل المبنى أعاقت خروج النزلاء.
اتساع ظاهرة الحرائق
وتأتي هاتان الواقعتان في سياق سلسلة متكررة من الحرائق التي شهدتها المحافظات خلال الفترة الأخيرة، إذ رصدت “أحوال مصرية” اندلاع 45 حريقاً خلال شهر ديسمبر الماضي وحده، تنوعت بين منشآت صناعية ومخازن ومبانٍ سكنية ومرافق خدمية، وأسفرت عن سقوط ضحايا ومصابين وخسائر مادية متفاوتة.
وتعكس البيانات الرسمية اتساع نطاق الظاهرة؛ إذ أظهرت إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل نحو 46 ألفاً و925 حادث حريق خلال عام 2024، مقابل 45 ألفاً و435 حادثاً في عام 2023، بزيادة بلغت 3.2%.
وأسفرت هذه الحرائق عن وفاة 232 شخصاً وإصابة 831 آخرين، فيما تصدرت النيران الصناعية والماس الكهربائي أسباب الاشتعال، وجاءت المباني السكنية والمخازن والأراضي الفضاء في مقدمة المواقع الأكثر تعرضاً للحرائق.
تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الخسائر المالية الناتجة عن الحرائق كبيرة، حيث سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وقوع أكثر من 438 ألف حريق في مصر بين عامي 2010 و2020، متسببة بخسائر في الممتلكات بحوالي 3.6 مليارات جنيه، بما يعادل نحو 360 مليون جنيه سنوياً.
أعطال فنية وفجوة رقابية
أما من الناحية الفنية، فالأسباب الرئيسية للحرائق تشمل الماس الكهربائي الناتج عن الأحمال الزائدة والتوصيلات المعيبة وغياب العزل الجيد، وهو ما حذر منه الدكتور فاروق الحكيم، رئيس جمعية المهندسين الكهربائيين، مؤكداً أن الشرر الناتج قد يؤدي إلى اشتعال المواد المحيطة، وأن هذا النوع من الحرائق لا يجوز إطفاؤه بالمياه بل باستخدام وسائط إطفاء متخصصة.
كما أوضح الدكتور مجدي صليب، المدير السابق للمركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية، أن نسبة الحرائق الناتجة عن الماس الكهربائي كبيرة للغاية، خاصة مع زيادة الأحمال خلال فترات الذروة، مشدداً على أهمية الصيانة الدورية للتوصيلات الكهربائية داخل المباني والمنشآت.
كما تكشف الحوادث المتكررة عن فجوة في التطبيق والرقابة، حيث أكد اللواء ممدوح عبد القادر، مدير إدارة الحماية المدنية الأسبق، أن أنظمة الإنذار ومعدات الإطفاء متوافرة في عدد كبير من المنشآت، إلا أن إهمال صيانتها يؤدي إلى تعطلها في اللحظات الحرجة.
بينما شدد المهندس مجدي سلامة، الخبير في الأمن الوقائي، على أن ضعف أنظمة العزل والاستجابة السريعة يفاقم حجم الخسائر البشرية والمادية عند اندلاع الحرائق.
وأوضح مصطفى يوسف، مدير المركز الدولي للدراسات التنموية، أن تكرار الحرائق يرتبط بقلة محطات الإطفاء مقارنة بالكثافة السكانية، وضعف الإدارة المحلية، وتراجع الوعي المجتمعي بطرق التعامل مع الحريق في مراحله الأولى، إضافة إلى تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية بالسلامة المهنية والإدارات المحلية والجهات الرقابية، مما يحد من قدرة المنظومة على منع الحرائق قبل وقوعها.
غياب الإدارة المحلية ودور المحافظين
وفي تفسير جانب آخر من القصور المؤسسي، أشار خبراء إلى وجود فجوة كبيرة بين عدد مفتشي السلامة والصحة المهنية وحجم المنشآت الحكومية والخاصة، نتيجة عدم تفعيل قانون الإدارة المحلية.
وقال الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير شؤون البلديات الدولية، إن قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 يُلزم المحافظين بالتنسيق واتخاذ القرارات البديلة في حالات الأزمات التي تمس المواطنين، ومنها الحرائق، إلا أن هذا الدور يغيب عملياً في معظم الوقائع الأخيرة.
وأضاف أن ما يحدث غالباً هو اكتفاء المحافظات بتلقي بلاغات الحرائق عبر غرف العمليات، دون إدارة فعلية للأزمة، متسائلاً عن أسباب تعطيل صلاحيات المحافظين رغم تكرار الحوادث، وأشار إلى أن المركزية وتداخل الاختصاصات وغياب الشفافية تمثل عوائق رئيسية أمام فاعلية الاستجابة المحلية.
اشتراطات السلامة
وتخضع اشتراطات السلامة من الحرائق في مصر لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 والكود المصري للحماية من الحريق، اللذين يحددان متطلبات الوقاية وأنظمة الإنذار ومخارج الطوارئ وفقًا لطبيعة كل منشأة، غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في ضعف متابعة التطبيق بعد التشغيل، وعدم ربط استمرار النشاط بالالتزام الفعلي لا الشكلي بالاشتراطات.
إلى ذلك، أشار مصطفى يوسف إلى أن قرارات غلق المنشآت أو وقف الأنشطة المخالفة غالباً ما تصدر بعد وقوع الحوادث أو بناءً على بلاغات محددة، وليست جزءاً من تفتيش دوري منتظم.
في هذا السياق، أكدت دراسة للدكتور نادي رياض، رئيس لجنة البحوث والتطوير ونقل التكنولوجيا باتحاد الصناعات، على أهمية منح حوافز للمصانع والشركات التي تطبق الكود من قبل شركات التأمين، وتوفير المعدات المناسبة للمكافحة المبكرة خلال الخمس دقائق الأولى، بالإضافة إلى تأهيل فرق الإطفاء والأمن الصناعي، وتدريب نصف عمال الإنتاج على استخدام الأجهزة اليدوية بكفاءة.
كما شددت الدراسة على أهمية تصنيف الخبراء والمتخصصين في التأمين على المنشآت لضمان فعالية التغطية وتقليل الأضرار الاقتصادية، موضحة أن إدارة المخاطر بشكل صحيح يقلل الأعباء المالية على شركات التأمين ويحد من الخسائر الاقتصادية الكبيرة.