المياه الجوفية تهدم المنازل.. أزمة ممتدة من أسوان إلى الدلتا وتحركات حكومية محدودة وبطيئة

لم تكن قرية الكاجوج التابعة لمركز كوم إمبو بمحافظة أسوان بحاجة إلى إنذار جديد لتدرك حجم الخطر الذي تعيشه منذ سنوات.

فأسفل المنازل، حيث لا يراها أحد، كانت المياه الجوفية تتسلل بصمت، تُضعف التربة، وتنهك الجدران، وتحوّل البيوت الطينية إلى هياكل هشة قابلة للانهيار في أي لحظة.

في أحد المنازل القديمة، بدأت الجدران تتصدع فجأة، قبل أن ينهار المبنى بالكامل خلال ثوانٍ، بينما كان مصطفى يجلس مع أسرته داخله.

أصوات غير مألوفة سبقت الانهيار، دفعت العائلة إلى الهروب نحو الحوش، لتسقط الكتل الطينية دفعة واحدة، وتتحول الغرف إلى أنقاض.

نجت الأسرة بأعجوبة، لكن المنزل دُمّر بالكامل، ومعه ضاعت سنوات من الكد والعمل، بعدما أتلفت المياه الجوفية الأثاث والمحتويات.

عقب الانهيار، حضرت لجنة من الوحدة المحلية لمعاينة المنزل، وأثبتت الواقعة في محضر رسمي، ثم غادرت المكان دون إعلان إجراءات فورية، بحسب ما أكده المتضررون.

أمام هذا المشهد، وقف سيد عبده، أحد سكان القرية، يصرخ بصوت مرتفع التقطته كاميرات الهواتف المحمولة، موجّهاً نداء استغاثة إلى المسؤولين:”احنا بنموت.. الصرف الصحي معطّل من 20 سنة، وخط المياه من 1970 ما اتغيرش، البيوت كلها عايمة فوق الميه، كل شارع فيه بيتين تلاتة واقعين”.

لم يكن انهيار هذا المنزل حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانهيارات التي تشهدها قرية الكاجوج منذ سنوات، بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية الناتج عن غياب شبكات صرف فعالة وتسربات مزمنة.

بحسب شهادات الأهالي، تتجمع المياه أسفل المنازل بشكل دائم، ومع مرور الوقت تتشبع التربة وتفقد قدرتها على التحمل، لتتحول البيوت لقنابل موقوتة.

في قرية الكاجوج، لا يخشى السكان سقوط منزل بعينه، بل يخشون الدور القادم؛ فالمياه لا تزال تحت الأرض، والبيوت ما زالت قائمة على تربة مبللة، بينما تنتظر القرية حلاً لم يصل بعد.

أزمة ممتدة

لم تكن الكاجوج استثناءً في محافظة أسوان، فالمشهد ذاته يتكرر على مسافات متقاربة وبأشكال مختلفة، لكن بسبب واحد وهو المياه الجوفية التي ارتفعت دون نظام تصريف قادر على احتوائها، ففي منطقتي السيل الريفي والسيل الجديد شرق مدينة أسوان، تحولت المنازل إلى مساحات رطبة لا تجف.

الحاجة نادية محمد محمود، وهي على المعاش، تقول إن المياه تسربت إلى داخل بيتها منذ سنوات، وظهرت في الصالة والغرف، ما اضطرها إلى استخدام طلمبات شفط بشكل شبه أسبوعي.

وتضيف أن شركة المياه حضرت في بداية الأزمة، وأجرت تحاليل أكدت أن المياه الخارجة من أرضية المنزل مطابقة للمياه الجوفية، قبل أن تتوقف أي تحركات لاحقة.

وتابعت قائلة :”بقينا نعيش وسط الميه، وكل شوية طلمبة جديدة، وكل ده من غير حل”.

ودفع الحاج سمير محمد خليفة، مربي مواشٍ، ثمن الأزمة من مصدر رزقه، بعدما غمرت المياه مخازن العلف، وأجبرته على نقل مواشيه وبيع جزء من العلف بخسارة تجاوزت 300 ألف جنيه، مشيراً إلى أنه يستعين بسيارات شفط مرتين أسبوعياً، بتكلفة إضافية لا يستطيع الاستمرار في تحملها.

لم تقتصر الاستغاثات على شرق أسوان، إذ وجّه أهالي قرى الحجندية بسلوا، وبنبان بدراو، وعدد من القرى التابعة لمركز كوم إمبو نداءات متكررة للمسؤولين، مؤكدين أن المياه الجوفية باتت تهدد أساسات المنازل، وأن الشكاوى المقدمة لم تسفر عن حلول جذرية.

الأزمة تعبر حدود المحافظة

ومع الانتقال شمالاً، لا تتوقف الأزمة عند حدود أسوان، ففي محافظة سوهاج، وتحديداً قرية الديابات التابعة لمركز أخميم، فوجئ الأهالي بظهور المياه داخل الطابق الأرضي من منازلهم، لتتحول الأرضيات إلى برك راكدة.

وقال علاء فاروق (38 عاماً)، عامل، إن المياه تظهر يوماً بعد يوم بشكل متزايد، وإنه يخشى انهيار المنزل فوق أسرته في أي لحظة.

فيما أكد السيد مصطفى، وهو في الستين من عمره، أن الجدران تشبعت بالمياه وبدأت آثار التلف تظهر بوضوح، مضيفاً:”إحنا عايشين وسط طين ومستنقعات، ومش قادرين نستحمل أكتر من كده”.

الدلتا تدخل دائرة الخطر

لم تعد المشكلة قاصرة على محافظات الجنوب، في 13 ديسمبر 2025، وهو اليوم نفسه الذي شهد انهيار منازل الكاجوج، انهارت 8 منازل بقرية جريس التابعة لمركز أشمون في محافظة المنوفية.

وأرجع محمود سمير، أحد المتضررين، السبب إلى تسريب في خط الصرف الصحي الرئيسي، بينما قالت إحدى السيدات المتضررات إنها وجدت نفسها وأطفالها في الشارع دون مأوى، مطالبة بسرعة التدخل لتوفير سكن بديل.

وفي قرية مليج بمركز شبين الكوم، فوجئ عبدالحافظ أحمد لبن بصعود المياه من أسفل أحد جدران منزله، قبل أن تنتشر تدريجياً في باقي المنزل، موضحاً أن أكثر من 30 منزلاً تعاني من المشكلة نفسها، وبعضها مهدد بالانهيار.

وفي محافظة الغربية، تهدد المياه الجوفية أبناء قرى قطاع شبراقاص، شبرابيل، كفر سالم النحال، ميت غزال، ميت الليت، بلكيم، وكفر الشبخ مفتاح، بالإضافة لـ 50 % من قرى ميت غزال وشبرا بلوله وكفر سليمان عوض بمركز السنطة.

وأبلغت الوحدة المحلية بشبراقاص الأهالي، إن السبب هو المياه الجوفية، وليس تسرب الصرف الصحي.

حلول جزئية في مواجهة الأزمة

مع تصاعد شكاوى المواطنين واتساع رقعة الانهيارات، بدأت المحافظات المتضررة في الإعلان عن تحركات حكومية لاحتواء أزمة ارتفاع منسوب المياه الجوفية، وإن بدت هذه التحركات حتى الآن محدودة النطاق مقارنة بحجم المشكلة.

في محافظة أسوان، أعلنت المحافظة عن مواجهة الأزمة عبر حفر آبار سحب للمياه الجوفية، وبحسب بيان رسمي، وجّه اللواء الدكتور إسماعيل كمال محافظ أسوان بسرعة التحرك لوضع حل لما وصفه بـ”الجذري” لمشكلة ظهور المياه الجوفية بعدد من منازل قرية الدكة التابعة لمركز نصر النوبة، وذلك من خلال تكليف الوحدة المحلية بإنشاء بئر مخصص لسحب وتصريف المياه.

وكشف المحافظ عن مخاطبة معهد بحوث النيل لوضع حلول فنية للأزمة، خاصة بعد غمر المياه الجوفية، الناتجة عن ارتفاع منسوب النيل، عمارات الإسكان الاجتماعي بمنطقة الخور بدراو، والتي تضم 144 وحدة سكنية داخل 12 عمارة، مع التأكيد على التعامل مع مشكلات القرى المتضررة تباعاً.

وفي محافظة سوهاج، أرجعت لجنة فنية شكلها اللواء الدكتور عبدالفتاح سراج محافظ سوهاج، أزمة المياه الجوفية بقرية الديابات بمركز أخميم إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية، إلى جانب انخفاض مستوى المنازل عن الشارع، ما جعلها عرضة لتخزين المياه دون تصريف طبيعي، والاعتماد الكامل على سيارات الكسح في الشفط.

أما في محافظة المنوفية، فقد أصدر اللواء إبراهيم أبو ليمون محافظ المنوفية قراراً بإزالة 6 منازل بالطوب اللبن آيلة للسقوط، وترميم منزلين آخرين مشيدين بالخرسانة المسلحة، في قرية جريس التابعة لمركز أشمون.

ورغم سرعة القرار، عبّر بعض المتضررين عن مخاوفهم من أن تظل الإزالة حلاً نهائياً دون توفير بدائل سكنية عاجلة أو معالجة السبب الأصلي للتسريب.

ورغم هذه التحركات، يرى بعض الأهالي أن الاعتماد على آبار السحب وحدها يمثل حلًا مؤقتاً، لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بشبكات الصرف القديمة، وطبيعة التخطيط العمراني في المناطق المنخفضة.

750 مليار جنيه… مفارقة الأرقام والواقع

وفي مقابل هذه المشاهد، تشير البيانات الرسمية إلى حجم إنفاق غير مسبوق على قطاع المياه والصرف الصحي، فبحسب تصريحات لوزير الإسكان، المهندس شريف الشربيني، أنفقت الحكومة نحو 750 مليار جنيه خلال السنوات العشر الماضية، لتنفيذ 5100 مشروع في مجالات مياه الشرب والصرف الصحي ومعالجة الصرف الصحي والزراعي.

وأوضح الوزير أن نسبة تغطية شبكات المياه النقية ارتفعت من 93.5% عام 2014 إلى 99%، بينما زادت نسبة تغطية الصرف الصحي في القرى من 12% إلى نحو 65%، مع استهداف تغطية جميع القرى بنهاية المراحل الثلاث لمبادرة “حياة كريمة”.

لكن في القرى التي انهارت فيها المنازل، تبدو هذه الأرقام بعيدة عن الواقع اليومي، حيث لا يزال سكان يعيشون فوق تربة مشبعة بالمياه، في انتظار وصول المشروعات أو اكتمالها.

أضف تعليقك
شارك