آلاف الفلاحين مهددون بالطرد! زيادات إيجارات أراضي الأوقاف تشعل أزمة في الأرياف

بعد عقود من استقرار صغار الفلاحين على أراض حصلوا عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، تحولت الأرض من مصدر أمان اجتماعي إلى عبء اقتصادي يهدد حياة آلاف الأسر الريفية، في ظل سياسات إيجارية تهدد الفلاحين بالطرد من تلك الأراضي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أقرت وزارة الأوقاف وهيئة الإصلاح الزراعي زيادات كبيرة في القيمة الإيجارية للفدان، وصلت في بعض المناطق إلى 45 ألف جنيه للفدان، دون تطبيق آلية تدرّج واضحة، ما انعكس مباشرة على أوضاع صغار المزارعين في مختلف المحافظات.

شهادات من قلب الأزمة

يقف المزارع محمد النفراوي أمام أرضه التي توارثتها عائلته منذ سبعة عقود، غير قادر على استيعاب القرار. يقول بصوت يختلط فيه الغضب بالعجز: ” الأوقاف رفعوا الإيجار  لـ 55 ألف جنيه، وقالوا اللي مش عاجبه يسيب الأرض.. أسيب إيه؟ دي أرض بنزرعها من 70 سنة، إحنا مش معتدين ولا سارقين”.

ويضيف أن التأخر في السداد يعني تحرير محاضر تعد على أملاك الدولة، قد تقودهم إلى السجن، رغم أنهم يزرعون الأرض منذ عشرات السنين.

وفي قرى مدينة تلا بمحافظة المنوفية، يصف المزارع خالد البدري، أحد المتضررين من  قرار وزارة الأوقاف بأنه صدمة غير متوقعة: “الإيجار اتضاعف مرة ورا التانية لحد ما وصل 55 ألف جنيه، والمحصول إنتاجه قل. إحنا مش بنطلب امتيازات، إحنا بنطلب نكمّل”.

أما في عزبة حفيظة بمركز إطسا في الفيوم، فيقف خالد فرج أحد المتضررين من قرار الإصلاح الزراعي،  أمام أرقام لا تشبه دخله، قائلاً: “كنت بدفع 13 ألف و800 جنيه، وفجأة قالوا ادفع 32 ألف.. الأرض دي مش جاية من فراغ، دي تعب عمر”.

حين يصبح الإرث عبئاً

في النوبارية بمحافظة البحيرة، يسرد المزارع إبراهيم فارس – أحد مزارعي الإصلاح الزراعي –  قصة أرض انتقلت من جيل إلى جيل ويقول:” الإيجار بدأ بـ 400 جنيه، وزاد تدريجياً لحد ما وصل 7 آلاف و500، وفجأة بقينا مطالبين بـ 31 ألف و500 جنيه.. اتفقنا على 15 ألف، لكن الاتفاق تم مخالفته”.

ويؤكد أنهم تسلموا الأرض رسمياً من الدولة بموجب بحث تمليك ودفعوا ثمنها، متسائلاً عن جدوى الاستمرار في الزراعة في ظل هذه الزيادات.

وتقول سيدة ستينية من نفس المنطقة، وعيناها لا تفارقان أرضها: “ما ليش دخل غير الأرض دي، وبصرف منها على أيتام.. لو أخدوها مني، أروح فين؟”.

و في قرية كفر زيادة بمركز كوم حمادة في البحيرة، يحكي سعد عطية عن رحلة شاقة لإحياء أرض الإصلاح الزراعي:”دي كانت برك ومستنقعات، إحنا اللي ردمناها وبعنا اللي ورانا واللي قدامنا، وحفرنا آبار ميتها ملحة وبتحتاج علاج”.

ويضيف:”الإيجار بدأ بـ 600 جنيه، وبقى 5 آلاف، وبعدها 15 ألف، ودلوقتي عايزين أكتر من 31 ألف جنيه.. المزارع مش قادر يدفع الرقم ده”.

انتقادات لرفع الإيجارات

قال الكاتب الصحفي عمار علي حسن إن رفع سعر إيجار الفدان في أراضي الإصلاح الزراعي من 10 آلاف إلى 27 ألف جنيه، وفي أراضي الأوقاف من 15 ألفاً إلى 45 ألف جنيه، سيؤدي عملياً إلى طرد أعداد كبيرة من الفلاحين من أراضيهم، وهو ما يعني تعريض ملايين المواطنين للجوع.وأضاف أن الزراعة تحولت منذ عقود إلى نشاط غير اقتصادي لغالبية المزارعين.

ووصف الكاتب الصحفي أحمد طه النقر ما يحدث في القطاع الزراعي بأنه كارثة بكل المقاييس.

من جانبه، قال الدكتور سعد نصار، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، إن رفع القيمة الإيجارية استنادًا إلى ارتفاع إيجار المثل للأراضي المجاورة يُعد إجراءً مخالفاً لقانون تحرير الإيجارات الصادر في أواخر التسعينيات، ويؤثر سلباً على صغار المزارعين، الذين قد لا يستطيعون تغطية الزيادة من العائد الزراعي الفعلي.

وأكد أهمية موازنة العائد الاقتصادي للفلاح مع القيمة الإيجارية الجديدة، لضمان عدم تحميله أعباء تتجاوز قدرته المالية.

رد الأوقاف والزراعة

قال الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، إن تحريك القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية الوقفية جاء التزاماً بالأمانة والقانون.

وأوضح أنه لا يجوز تأجير الأراضي الوقفية بأسعار بعيدة عن سعر السوق، مشيراً إلى أن أسعار الفدان تتراوح بين 40 و60 ألف جنيه، وقد تتجاوز 100 ألف جنيه في بعض الزراعات المتخصصة مثل الفراولة.

وأشار إلى وجود ظاهرة خطيرة تمثلت في التأجير من الباطن، حيث يحقق بعض المستأجرين أرباحاً كبيرة دون زراعة الأرض فعلياً، مضيفاً أن الزيادات الأخيرة لا تزال أقل من سعر السوق، وأن المستأجرين استفادوا لسنوات طويلة من انخفاض الإيجارات بينما كانوا يبيعون منتجاتهم بأسعار السوق.

ومن جانبه قال د. محمد شطا رئيس الإدارة المركزية لشئون المديريات الزراعية بوزارة الزراعة، الدكتور محمد شطا، إن المساحة المملوكة لهيئة الأوقاف حوالي 110 ألف فدان أي لا تتخطي الـ 1 % من إجمالي المساحة الزراعية في مصر البالغة أكثر من 10.4 مليون فدان، فيما تمتلك هيئة الإصلاح الزراعي حوالي 7 % من إجمالي الأراضي الزراعية.

وأوضح “شطا” أن القيمة الحقيقية لإيجار الفدان في السوق الحرة تصل في العديد من الأماكن من 60 إلى 89 ألف جنيه، وقد تزيد عن ذلك في بعض الأراضي شديدة التميز، إلا أنها لم تصل لهذا المستوى في إيجارات هيئة الأوقاف، لافتا إلى أن الزيادة الأخيرة في قيمة الإيجار لا تستدعي التأثير على أسعار السلع الغذائية.

تحرك برلماني ورفض حزبي

ناقشت لجنة الزراعة في مجلس الشيوخ هذه الأزمة، حيث قال النائب عمرو سعد الشلمة، عضو لجنة الزراعة والري، إن قرارات وزارة الأوقاف أثرت على التوازن الاجتماعي والاقتصادي في الريف المصري، موضحًا أن تطبيق الزيادة جاء بشكل مفاجئ وغير متدرج.

وأشار إلى أن قيمة الإيجار أصبحت تقترب من نصف إجمالي تكلفة الزراعة في بعض الحيازات الصغيرة، مقترحًا تطبيق الزيادة بشكل تدريجي، والتمييز بين صغار الفلاحين والمستثمرين في تحديد القيمة الإيجارية.

وكشف النائب علاء عبدالنبي، وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، أن اللجنة أرسلت مذكرة رسمية إلى وزير الأوقاف بشأن الشكاوى المتكررة من صغار مستأجري أراضي الأوقاف.وأوضح أن بعض القرى شهدت رفض صرف حصص الأسمدة الشتوية إلا بعد توقيع المزارعين على الموافقة على القيمة الإيجارية الجديدة.

وتضمن البيان مقارنة توضح تطور إيجار الفدان خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من 400 جنيه عام 2014 إلى 13 ألف جنيه عام 2024، بينما قدرت هيئة الأوقاف قيمة الإيجار لعام 2025/2026 بنحو 45 ألف جنيه للفدان.

في سياق متصل، رفض الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي قرار رفع إيجار فدان أراضي الإصلاح الزراعي من 10,000 إلى 27,000 جنيه سنويًا، مؤكدا أنه قرار مجحف ولا يراعي الواقع الزراعي الصعب ولا أوضاع الفلاح الذي لا يحصل إلا على الحد الأدنى من دعم الدولة.

وأوضح الحزب أن القيمة الإيجارية كانت قد حُدِّدت بتاريخ 31/8/2025 بقيمة 10,000 جنيه للفدان مع زيادة سنوية قدرها ‎10%‎، ثم فوجئ المستأجرون بمطالبتهم بسداد 27,000 جنيه دفعة واحدة دون أي سند قانوني أو مبرر واقعي واضح.

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك
شارك