لم يكن إعلان أسماء المقبولين في أكاديمية الشرطة هذا العام مجرد نتيجة عابرة، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية، وهو ملف الواسطة وتكافؤ الفرص في الالتحاق بالمؤسسات السيادية.
فمع انتشار قوائم المقبولين، تصاعدت تساؤلات حول معايير الاختيار، خاصة بعد ظهور أسماء أبناء نواب ومسؤولين أمنيين، ما وضع وزارة الداخلية مجدداً في مواجهة اتهامات متكررة تنفيها رسمياً كل عام، بينما تتجدد على منصات التواصل دون حسم.
تفاعل مواقع التواصل
ومع بدء تداول نتائج القبول، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة جدل مفتوح، مدفوعة بنشر تهاني رسمية من نواب ومسؤولين أعلنوا قبول أبنائهم بكلية الشرطة، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً على غياب تكافؤ الفرص.
كتب النائب أحمد عبد المنعم إسماعيل عبر صفحته على فيسبوك:”الحمد لله، قبول نجلي محمد أحمد عبد المنعم بكلية الشرطة، وأسأل الله أن ينفع به البلاد والعباد”.
كما كتب علاء حسن جعفر، عضو مجلس النواب:”بكل الحب والوفاء والشكر لكل من هنأني بقبول نجلي بأكاديمية الشرطة”.
وأعلن النائب السابق ياسر منير، الذي خسر الانتخابات الأخيرة، عبر صفحته:”عوض ربنا كبير قوي، ألف حمد وشكر لله، سيف الدين ياسر منير، كلية الشرطة”.
فيما كتب النائب اللواء عماد عبد التواب الدرجلي: “تم قبول ابني حسام عماد عبد التواب الدرجلي بكلية الشرطة”.
كما انتشرت تهاني أخرى لأبناء قيادات أمنية، من بينها منشور جاء فيه:”نقدم خالص التهاني بمناسبة قبول أحمد هريدي عبد الحميد هريدي بكلية الشرطة، نجل اللواء هريدي عبد الحميد هريدي”.
سخرية وانتقادات حادة
وأثار تداول هذه التهاني موجة سخرية وانتقادات واسعة، إذ كتب كريم عرندس عبر فيسبوك، معلقاً على الصور المتداولة لبعض المقبولين:”كلية الشرطة السنة دي مقاساتها اتغيرت خالص”. ورد عليه أحمد المعاوني قائلاً:”دي النزاهة والشفافية اللي بيتكلموا عنها”.
كما كتب مصطفى رضا ساخراً:”ما تدققوش، يشغلوهم في المباحث ووزنهم هيخف”.
وكتب وليد الهواري:”مقاعد كلية الشرطة محجوزة لأبناء النواب فقط، جمعت لحضراتكم تهاني رسمية منشورة على الصفحات الرسمية للسادة النواب بعد قبول أبنائهم بشكل جماعي، وكأن الكلية أصبحت حكرًا عليهم، هذا فساد على حساب أحلام الشباب. وأضاف في منشوره:”ملحوظة هذا ما نُشر رسميًا، وما خفي كان أعظم”.
كما علّق خالد عاشور قائلاً:”الدولة عايزة النواب والشرطة والجيش من بعضهم.. عشان أجيال تسلم أجيال، والباقي يقولوا عليه حب الوطن”.
وكتب أيضاً المواطن أمير حماقي قائلاً على إحدى صفحات فيسبوك: “الداخلية مش عارفة أن مركز واحد في قنا دخل منه 55 طالباً في كلية الشرطة، بينما مصر فيها 27 محافظة. إذا أخذنا 55 فردًا من كل محافظة، سيكون العدد 1485 وليس 800. هذه حسبة بسيطة، فكروا في التوزيع الجغرافي.
وتابع:” نطالب رئيس الجمهورية بالتدخل لإيقاف هذه المهزلة ومحاسبة قائد كلية الشرطة ووزير الداخلية، لأن كل المقبولين بالواسطة، ولا يوجد أي نوع من أنواع العدالة في القبول بالكلية”.
وتداول مستخدمون أرقاماً غير رسمية تشير إلى قبول 19 طالباً من أبناء أعضاء مجلس النواب، و5 من أبناء أعضاء مجلس الشيوخ، إضافة إلى أقارب لمسؤولين آخرين، مع الإشارة إلى أن بعض المقبولين لا تنطبق عليهم المعايير البدنية والطبية المعلنة، سواء بسبب السمنة أو النحافة الشديدة.
الدفاع عن القبول
في المقابل، دافع آخرون عن هذه النسب، وكتب أسامة الخولي، محامٍ، في أحد التعليقات: “70 أو 80 طالب من حوالي 2800 طالب، نسبة أقل من 9%، فين المشكلة؟”.
وأضاف:”هل المطلوب إن ابن لواء شرطة أو نائب برلمان ما يدخلش حتى لو وصل هيئة؟ ده رد جميل لآبائهم”. وأكد أنه لم يستخدم وساطة لقبول ابنه، معتبراً أن القبول “قدر ونصيب”.
كما كتب محمد عبد الله:”أبناء هؤلاء ليسوا غرباء عن البلد، وقد يكونوا استعدوا للاختبارات أكثر من غيرهم.. بلاش دائماً سوء الظن”.
أعداد المتقدمين
بلغ إجمالي عدد المتقدمين للالتحاق بكلية الشرطة للعام الدراسي 2025/2026 نحو 48 ألف طالب، بحسب البيانات التي أُعلنت خلال مؤتمر أكاديمية الشرطة لإعلان نتيجة القبول.
وأوضحت الأكاديمية أن الطلاب خضعوا لإجراءات واختبارات القبول وتشمل الاختبارات الطبية والبدنية والنفسية وقياس القدرات الذهنية.
فيما بلغ عدد المقبولين بالدفعة الجديدة نحو 2750 طالباً، موزعين على طلاب الثانوية العامة وخريجي كليات الحقوق وأصحاب المؤهلات العليا والضباط المتخصصين، وذلك وفقًا للضوابط والمعايير المعتمدة.
مزايا الدراسة بكلية الشرطة
ويحصل طلاب كلية الشرطة، خلال فترة دراستهم، على عدد من المزايا المقررة لطلاب الأكاديمية، من بينها الرعاية الصحية، والتأهيل البدني والرياضي داخل منشآت تابعة للكلية، إلى جانب الإقامة والإعاشة طوال فترة الدراسة، وذلك وفق اللوائح المنظمة للعمل داخل أكاديمية الشرطة.
بيان الداخلية
وفي خضم هذا الجدل، أصدرت وزارة الداخلية بياناً أكدت فيه أن القبول يتم وفقاً لمعايير واختبارات محددة، مع إتاحة آليات رسمية للتظلم يتم فحصها وفق القواعد المعمول بها، محذرة من اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة ضد مروجي المزاعم غير الصحيحة.
وبين نفي رسمي مستمر، وانتقادات لا تتوقف، تبقى أزمة القبول في أكاديمية الشرطة حاضرة كل عام، دون حسم واضح، وسط تساؤلات متجددة حول الشفافية وتكافؤ الفرص، وغياب أبناء الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل عن قوائم المقبولين.