في 19 أكتوبر 2025، كان خالد علي، الشاب العشريني، يركب دراجته النارية كالمعتاد، يحمل طلبات أساسية لزبائنه في محافظة بورسعيد كان يعول والدته وشقيقته الصغيرة، ويشعر بثقل المسؤولية على كتفيه في كل لحظة.
بينما كان يعبر شارعاً مزدحماً بسيارات الملاكي، اصطدمت به إحدى المركبات بشكل مباشر. ارتفع قلبه لثوانٍ، ثم سقط على الأرض، وكانت إصاباته قاتلة، وصل الإسعاف سريعاً، لكن لم تنجح أي محاولة لإنقاذه، بعد 12 يوماً في المستشفى، ليترك وراءه أسرة حزينة وأحلاماً لم تتحقق، ليصبح مثالاً حياً على المخاطر اليومية التي يواجهها كل سائق توصيل.
الموت والضغوط اليومية
حادثة خالد علي لم تكن منعزلة، بل جزء من سلسلة مأساوية تحاكي حياة ملايين عمال التوصيل. قبل أيام قليلة، لقي عامل توصيل آخر مصرعه تحت عجلات سيارة نقل في مدينة 15 مايو، وفي حي المقطم، اختلت عجلة القيادة الخاصة بعامل آخر وانقلبت دراجته البخارية، لتنهي حياته فورا.
لكن المخاطر الجسدية ليست الوحيدة التي تهددهم، فالضغوط النفسية والعزلة الاجتماعية تدفع بعضهم إلى نهايات مأساوية.
في الهرم، أقدم شاب في الثلاثين من عمره على إنهاء حياته شنقاً داخل شقته، متأثراً بالاكتئاب الشديد، وفي مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، أقدم شاب آخر على الانتحار بتناول حبة الغلة، رغم محاولات إنقاذه.
حتى في مناطق القاهرة المكتظة، مثل المطرية، أقدم شاب آخر على الانتحار من أعلى كوبري مسطرد، تاركاً دراجته النارية، إثر أزمة نفسية حادة ناجمة عن خلافات متكررة مع خطيبته.
كل هذه الحوادث ليست فردية، بل حلقات متصلة في سلسلة مأساوية تحاكي حياة آلاف عمال التوصيل، الذين يعيشون يومياً بين الموت والضغط النفسي، دون أي حماية أو دعم حقيقي.
حياة يومية مليئة بالتحديات
ترك الشاب يوسف أشرف، ابن محافظة بني سويف، الذي يعمل في التوصيل لدى سلسلة محلات “برجر” شهيرة، الدراسة في المرحلة الثانوية، ليعيش في القاهرة في شقة صغيرة مع خمسة سائقين آخرين، ينامون على الأرض ويدفعون إيجاراً شهرياً يبلغ 3 آلاف جنيه.
كل صباح، يرتدي يوسف خوذته، يركب دراجته النارية، ويتفقد الطلبات، مدركاً أن اليوم سيكون مليئاً بالتحديات والمخاطر ويدفع 50 جنيهاً إضافية ليترك دراجته آمنة، ويكسب يومياً ما بين 200 و250 جنيهاً، مبلغ لا يكاد يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية ومساعدة أسرته.
مع كل توصيل، يركض يوسف بين الشوارع المزدحمة، متفادياً السيارات والحواجز، ينقل الطلبات، وكأن كل وجبة هي قصة كفاح صغيرة في حياته، ورغم التعب والمخاطر اليومية، يستمر يوسف في عمله، لأن كل يوم بدون العمل يعني حرمان أسرته من لقمة العيش.
مواقف محرجة وحقوق مهدرة
يحكي محمد حسني عن حادثة أثناء توصيل وجبة إفطار، حيث وجد المصعد معطلاً، واضطر للصعود إلى الدور الثاني عشر مشياً على الأقدام لتسليم الطلب، وعندما وصل لم يكن لدى العميل فكة لتسديد المبلغ، واضطر للصعود والنزول مرات متعددة.
يضطر العاملون أيضاً إلى توقيع إيصالات أمانة تصل إلى 10 آلاف جنيه للدرجات النارية التي يقودونها، كما يتعرضون للحرمان من التأمين الصحي والاجتماعي، لأنهم يتعاملون بنظام الأجر مقابل العمل فقط، بحسب عمال الدليفري.
لا يقتصر العمل على الرجال فقط، بل تمارسه الفتيات أيضاً، تقول ضحى محمد، خريجة معهد حاسبات وسكرتارية: ‘أتْرك أسرتي صباح كل يوم لأجوب شوارع القاهرة الكبرى وحدي، دون وسائل حماية، مما يعرضني لمواقف خطرة أثناء العمل”.
ترى “ضحى” أن العاملين في هذه المهنة بحاجة لنقابة توفر لهم الدعم والحماية، متسائلة: “كيف تفرض علينا الدولة ضريبة ونحن لا يتجاوز أجرنا 20 جنيهًا على التوصيلة؟”
وأضافت: “عندما تعرضت لحادث وجلست مجبرة في المنزل، لم أجد من يقدم لي يد العون، فقد أنفقت كل مدخراتي على علاجي طوال فترة تواجدي. لذلك لا مانع من فرض ضريبة بسيطة إذا توافر مقابلها تأمين صحي أو تأمين ضد الحوادث”.
عدد عمال الدليفري
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن حوالي مليوني شخص يعملون كسائقي توصيل لكسب لقمة العيش في القاهرة والمدن الكبرى الأخرى في مصر.
وتوضح وزارة العمل أن عدد العاملين في المهن غير المنتظمة يبلغ نحو مليون ومائتي ألف عامل، وبحسب تقديرات اتحاد العمال نحو 14 مليونًا.
وتعاني هذه المهن من مشكلات عديدة، منها عدم الأمان والاستقرار الوظيفي، لأن معظم هذه العمالة يعمل في قطاعات غير رسمية.
عدد حوادث الدراجات النارية
وفق مسؤول في إدارة المرور بوزارة الداخلية، لقي 1,124 شخصًا مصرعهم في حوادث تتعلق بالدراجات النارية العام الماضي، بزيادة عن 970 في عام 2023 و1,015 في عام 2022، وكان كثير من هؤلاء القتلى من عمال التوصيل.
وتصدر إدارة المرور ما بين 20,000 و30,000 رخصة للدراجات النارية كل شهر، مما يؤكد الطلب المتزايد على خدمات التوصيل في القاهرة.
العمل تتحرك لحصر عمال الدليفري
أطلق وزير العمل في يوليو 2025 الحملة الوطنية “سلامتك تهمنا”، التي تستهدف عمالة توصيل الطلبات، بهدف حمايتهم اجتماعيًا ومهنيًا، وتوفير بيئة عمل آمنة لهم، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وقررت الوزارة توزيع مهمات وقاية مجانية تشمل خوذة الرأس، سترة عاكسة، قفازات، كمامات، وأدوات إسعافات أولية، كما سيتم حصر العمالة في المنصات، السلاسل التجارية، والمحال الكبرى، وتسجيل بياناتهم في منصة إلكترونية، لتأمينهم صحيًا واجتماعيًا وضمان حقوقهم في المعاشات والتأمين ضد إصابات العمل.
التشريعات والقانون
من جهته، قال المستشار إيهاب عبد العاطي، المستشار القانوني لوزير العمل، إن قانون العمل الجديد وسع تعريف “العامل” ليشمل العمال في الاقتصاد غير الرسمي، ومنهم عمال المنصات والتوصيل.
وأكدت منى دريري، ممثلة قطاع السلامة والصحة المهنية، أن عمال التوصيل من أكثر الفئات عرضة للمخاطر الجسيمة، نظراً لسرعة التنقل باستخدام الدراجات والضغوط الزمنية المفروضة عليهم. وأشارت نتائج الحملات التفتيشية الأخيرة إلى أن 73% من المنشآت التي تم فحصها – وعددها 270 منشأة – غير ملتزمة بتوفير أدوات الوقاية الشخصية.
أضف تعليقك