من الصحفيين إلى العمال.. تدنّي الأجور وتأخير صرف العلاوات يشعلان موجة احتجاجات وسط تجاهل حكومي

غضب ساطع يثور في شوارع مصر، يمتد من مكاتب الصحف إلى المصانع، احتجاجات يومية على الأرض بسبب تدنّي الرواتب وتأخر صرف العلاوات وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، مما يجعل العمال وموظفي القطاع الخاص والصحفيين يعيشون حياة يومية على حافة الفقر، بينما التصفية و”التفنيش” يهددان كل من يطالب بحقوقه.

أزمة البوابة نيوز

مثّلت أزمة صحفيي موقع “البوابة نيوز” نموذجًا صارخًا لمعاناة العاملين في الصحف المصرية الخاصة، إذ دخل الصحفيون إضراباً واعتصاماً داخل مقر المؤسسة منذ 17 نوفمبر 2025، مطالبين بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وسط رواتب لم تتجاوز 2000 جنيه في ظل غلاء معيشة متزايد.

وعلى الرغم من تدخل النقابة ووزارة العمل، وإرسال مفتشين وإعداد محاضر رسمية، رفضت الإدارة تنفيذ القانون، مبررة موقفها بالتعثر المالي، ما زاد من حدة الاحتجاجات.

خلال جلسة تفاوض حضرها نقيب الصحفيين وبعض أعضاء مجلس النقابة والمستشار القانوني، تنصّل رئيس مجلس الإدارة د. عبدالرحيم علي – النائب السابق في مجلس النواب – من المسؤولية وأعلن استقالته من منصبه، بينما وقع عشرات الصحفيين بيانًا للتضامن والمطالبة بمحاسبة الإدارة على الفصل التعسفي وتهديدهم بالإغلاق.

أزمة جريدة الوفد

لم تكن أزمة العاملين في “البوابة نيوز” هي الأولى؛ ففي جريدة الوفد نظم الصحفيون اعتصاماً ووقفة احتجاجية في سبتمبر وأكتوبر 2025، مطالبين بزيادة الرواتب وتنفيذ الحد الأدنى للأجور، وهو ما أدى لاحقاً إلى اتفاق تسوية سريع بين النقابة والإدارة، شكل نموذجاً إيجابياً بالمقارنة مع الأزمة في “البوابة نيوز”.

وتصاعدت أزمة الصحفيين المؤقتين في المؤسسات العامة والصحف القومية، الذين ظلوا بلا عقود رسمية لأكثر من 15 عاماً، رغم وعود الهيئة الوطنية للصحافة بالتعيين. وفي ضوء تجاهل مجلس الوزراء والهيئة لهذه المطالب، شعر العمال بعدم الأمان، مع انتشار سياسات التهديد بحق من يطالب بحقوقه.

تقدّم الصحفيون المؤقتون في الصحف القومية بشكوى جماعية في 23 نوفمبر 2025 إلى وزير العمل، يطالبون فيها الوزارة بالتدخل لحل أزمة تعيينهم وفقاً لقانون العمل الجديد، وتطبيق الحد الأدنى للأجور.

احتجاجات بالمصانع والشركات

لم تعد الاحتجاجات محصورة بالصحفيين أو قطاع معين؛ بل امتدت إلى العمال في المصانع والشركات العامة والخاصة.

ففي قطاع مياه الشرب بالقاهرة، نظم العمال احتجاجات منذ 12 نوفمبر 2025، مطالبين بالعلاوات المتأخرة وتطبيق الحد الأدنى للأجور وفق التدرج الوظيفي، إلى جانب صرف فروق الضرائب والأرباح السنوية، والمطالبة بإقالة بعض القيادات الإدارية المتهمة بالتقصير.

وفي شركة “مفكو حلوان” حرر 400 عامل محضراَ جماعياً ضد إدارة الشركة احتجاجاً على عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وعدم صرف المستحقات المالية المتأخرة التي تصل إلى نحو 72 ألف جنيه، تمثل فارق الأجور والعلاوات التي لم تُصرف منذ أكثر من عام.

وفي بورسعيد، صباح يوم 29 أكتوبر 2025، نظم 1500 عامل من شركة “القناة لرباط وأنوار السفن” التابعة لهيئة قناة السويس احتجاجاً على خفض أرباح العاملين بنسبة 25%، ووقف صرفها شهرياً لتُصرف سنوياً في نهاية كل عام ابتداءً من 2027، وخفض الحافز الشهري من 15% إلى 10% اعتباراً من نوفمبر.

العاملون بالنادي الأهلي ومصانع السكر والغزل والنسيج نظموا بدورهم وقفات احتجاجية، مطالبين برواتب عادلة وحماية حقوقهم من التصفية والتنفيش، في ظل استمرار تفاوت الأجور وغياب العدالة في تطبيق الحقوق المالية.

وشهد الحد الأدنى للأجور في مصر زيادات متتالية منذ عام 2011، حيث انتقل من 700 جنيه إلى 7000 جنيه في 2025، مع تطبيق رسمي من يوليو 2025.

تضامن حقوقي

تضامنت عدة منظمات حقوقية مع مطالب العمال والصحفيين، معتبرة أن تأمين حقوقهم المالية ضرورة لممارسة العمل بمهنية عالية، ورفض استخدام التصفية كأداة للضغط على المطالبين بحقوقهم.

فقد أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات دعم الصحفيين في “البوابة نيوز”، مؤكدة أن الاستقرار المادي هو أساس حماية حرية الصحافة.

بينما شدّد المرصد المصري للصحافة والإعلام على ضرورة احترام حقوق الصحفيين المالية ومكافحة أي ممارسات تهدف إلى التضييق عليهم أو تهديد وظائفهم.

إضافة لذلك، أعلنت لجنة العدالة في جنيف تضامنها مع عمال شركة “القناة لرباط وأنوار السفن”، مؤكدة حقهم في الحصول على مستحقاتهم المالية كاملة، معتبرة أي تهديد أو استخدام للضغط الأمني أو الإداري انتهاكاً صارخاً لقوانين العمل الدولية.

كما رصدت اللجنة قيام جهاز الأمن الوطني في أسوان باستدعاء عشرة عمال لتحذيرهم من أي احتجاج، ما يبرز محاولة بعض المؤسسات استخدام التهديد الأمني لتقويض الاحتجاجات السلمية، وهو ما دفع المنظمات الحقوقية إلى المطالبة بحماية العمال والصحفيين من أي ممارسات تفنيش أو تصفية تعسفية.

مشاكل قانون العمل وعقوبات عدم التطبيق

على الرغم من مشروع قانون العمل الجديد لعام 2025، تظل مشاكل حماية العمال من الفصل التعسفي وضمان الإضراب ورفع العلاوات السنوية قائمة. ويكشف الواقع عن تقصير أجهزة التفتيش بحسب المفوضية المصرية.

وانتقد النائب أشرف الشبراوي عدم تفعيل الحد الأدنى للأجور، قائلًا إنه لا يزال مجرد “حبر على ورق”.

وكشف مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن عقوبة عدم تطبيق مؤسسات القطاع الخاص للحد الأدنى للأجور تتراوح بين 100 جنيه إلى 500 جنيه عن كل عامل متضرر، وتتعدد بعدد العمال، وتتضاعف في حال الإصرار على عدم تنفيذ القرار، مطالباً المتضررين بتقديم شكوى رسمية إلى وزارة العمل أو اللجوء إلى النقابة العامة للعاملين بقطاعهم.

تظل احتجاجات العمال والصحفيين انعكاساً لتحديات حماية حقوقهم المالية والوظيفية، فهل ستلتزم المؤسسات بتطبيق القوانين أم ستظل هذه الحقوق مجرد شعارات على الورق؟.

أضف تعليقك
شارك