اعتداءات جنسية وعنف يعرض حياة الأطفال للخطر: أين الحكومة من جرائم المدارس الخاصة؟

كان خيار أسر التلاميذ مثل ياسين وحور وكارما وندى وآخرين أن يهربوا من معاناة المدارس الحكومية المتكدسة والتعليم المتدنّي، إلى ما اعتبروه ملاذاً في المدارس الخاصة واللغات والدولية، لكن ما لبثت هذه الآمال أن تحولت إلى كابوس من العنف والجرائم الصادمة، مع توالي حوادث الاعتداء الجنسي والحبس والتنمر والإهمال والمشاجرات خلال عام 2025.

تلك الوقائع التي اجتاحت الرأي العام كشفت عن غياب حضور فعّال للدولة في المراقبة، خاصة وأن المدارس الخاصة تفرض مصروفات مرتفعة سنوياً.

القرارات الحكومية كانت غالباً لامتصاص الغضب فقط دون معالجة جذور الأزمة، وكان يمكن أن تُطوى تلك الأحداث في أدراج المدارس ووزارة التعليم لولا ضغوط الغاضبين على منصات التواصل الاجتماعي.

المدارس الخاصة

يبلغ إجمالي عدد المدارس الخاصة في مصر نحو 10,450 مدرسة، تضم 88,644 فصلاً دراسياً، يدرس بها نحو 2,800,000 طالب وطالبة، وفق كتيب “مصر في أرقام 2024″، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

مصروفات هذه المدارس تبدأ من عدة آلاف وتصل إلى مئات الآلاف، مع زيادات سنوية تتراوح بين 5 و25%، مقارنة بالمدارس الحكومية التي لا تتجاوز مصروفاتها مئات الجنيهات.

ويبلغ متوسط نصيب الفرد من الإنفاق السنوي للأسرة على التعليم نحو 5.7% من قيمة الإنفاق السنوي، مما يعكس الضغط المالي الكبير على الأسر الراغبة في توفير تعليم آمن ومتميز لأبنائها.

الوقائع الصادمة

في 18 يناير 2025، شهدت مدرسة الكرمة للغات الخاصة اعتداءً جنسيا على الطفل ياسين البالغ من العمر 5 سنوات من قبل مراقب مالي بالمدرسة، دون تحرك فوري من إدارة المدرسة.

وفي 18 نوفمبر، خفّضت محكمة جنايات دمنهور الحكم على الموظف المدان من 25 سنة إلى 10 سنوات، ما أثار غضب الرأي العام.
اكتشفت والدة الطفل آثار الاعتداء بعد مشاكل صحية ظهرت على الطفل، وكان الاعتداء يتم في دورة مياه المدرسة دون رقابة.

ولم تتدخل وزارة التعليم بشكل مباشر في البداية، إلا بعد ضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم وضع الموظف تحت الإشراف الإداري وبدء محاكمته.

كارثة المدرسة الدولية

وفي 21 نوفمبر الجاري، أعلنت المدرسة الدولية بالعبور في القاهرة اتخاذها جميع الإجراءات القانونية الفورية، بعد بلاغ تقدّم به أحد أولياء الأمور يتضمن اتهام ثلاثة من عمال المدرسة وأحد أفراد الأمن بارتكاب فعل غير لائق تجاه طالبة بمرحلة KG2.

غير أن تحقيقات النيابة العامة كشفت وقائع هتك عرض لعدد من الأطفال داخل المدرسة الدولية بمنطقة سوق العبور، بعدما تقدّم عدد من أولياء الأمور بشكاوى رسمية تتهم بعض العاملين بالتعدي الجنسي على أطفالهم.

وأظهرت التحقيقات أن الضحايا جميعهم في سن خمس سنوات فقط، بينما بلغ عدد المتهمين أربعة من عمال المدرسة، تتراوح أعمارهم بين 29 و63 عاماً

العنف والإهمال

في 17 نوفمبر، تعرضت التلميذة ندى في مدرسة النصر للغات بمصر الجديدة لإصابة خطيرة إثر سقوطها من ارتفاع 7 أمتار بعد انفجار ترمبولين هوائي خلال يوم ترفيهي للطلاب.

شارك في النشاط نحو 300 طالب، وتكلفته بلغت 300 جنيه، فيما أكدت المدرسة لاحقاً أن الطفلة تعافت، دون محاسبة أي مسؤول عن الإهمال.

في اليوم نفسه، حاولت الطفلة حور في إحدى مدارس اللغات بالدقهلية الانتحار بعد تعرضها للتنمر المستمر بسبب لون بشرتها وشكل شعرها وارتدائها نظارة طبية.

وكشف وكيل وزارة التربية والتعليم بالدقهلية أنه لم يتلق أي شكوى رسمية، بينما أكدت داليا الحزاوي، مؤسس ائتلاف أولياء الأمور، أن هذه الحادثة نموذج لمعاناة عدد كبير من الطلاب الذين يواجهون التنمر بصمت.

الانتهاكات الإدارية والمصروفات

قبل أيام قليلة، حُبست التلميذة فريدة أحمد في مدرسة نيوكبيتال بالتجمع الخامس في فصل منفصل لمدة 3 ساعات بسبب تأخر والدها في دفع المصروفات، مع حرمان الطلاب من الشرب ودخول الحمام.

وتدخلت وزارة التعليم لاحقاً عبر لجنة تحقيق ووضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، بينما اكتفى وزير التعليم بالتأكيد على الالتزام بالقرارات الوزارية المنظمة للمصروفات، دون محاسبة المسؤولين عن الحبس التعسفي.

العنف البدني والمشاجرات

في 4 نوفمبر 2025، تعرضت طالبة بالصف الرابع الابتدائي في إحدى المدارس الخاصة الشهيرة بالتجمع الخامس لاعتداء جسدي بالسحل والضرب والتنمر داخل المدرسة.

وفي 4 فبراير 2025، استغاث والد طالب في مدرسة بريطانية دولية بعد اعتداء مدرس التربية الرياضية على ابنه البالغ من العمر 13 سنة، ما تسبب في كسر ذراعه وتهشم عظام الكوع.

وفي 20 يناير، وقعت مشاجرة بين طلاب مدرسة دولية في الإسكندرية، حيث اعتدى طالب في الصف الثاني الثانوي على ثلاثة زملاء باستخدام أداة حادة، ما أدى إلى دخول أحدهم العناية المركزة، وفق المحضر رقم 138 لسنة 2025.

جذور العنف والتنمر

تتجذر ظاهرة العنف في المدارس، بما في ذلك المدارس الخاصة واللغات، في مجموعة من العوامل البنيوية والتربوية والاجتماعية التي تتجاوز التنمر النفسي بين الطلاب بحسب خبراء.

أولاً، العنف الأسري والمجتمعي يؤثر على الأطفال، حيث يمارس بعض الطلاب أو يتعرضون للعنف بسبب بيئة أسرية يسودها الإيذاء الجسدي أو اللفظي، مما يعزز لديهم سلوكيات عدوانية.

ثانياً، ضعف التأهيل النفسي والتربية السليمة داخل الفصول يجعل الأطفال غير قادرين على إدارة الغضب والخلافات، فتتحول النزاعات إلى اعتداءات جسدية أو تحرشات جنسية.

ثالثاً، الإهمال الإداري وسوء إدارة المدارس يسمح بتكرار هذه الحوادث، حيث تغيب الرقابة والمساءلة الفعلية، وتنتشر ثقافة الكتمان والتستر.

رابعاً، التغطية الإعلامية وأثر وسائل التواصل الاجتماعي قد تساهم أحياناً في تطبيع بعض السلوكيات العدوانية أو تقليل حساسية المجتمع تجاهها.

ويشير الخبراء إلى أن مجمل هذه العوامل يشكل أرضاً خصبة لانتشار العنف بأنواعه المختلفة في المدارس، مما يتطلب تدخلاً تربوياً ونفسياً وقانونياً متزامناً لمواجهة الظاهرة من جذورها.

ويتجلى أثر هذه الجذور بشكل مباشر في الواقع العملي، حيث تثير هذه الأزمة تساؤلات حول دور الدولة وإدارة المدارس الخاصة في حماية الطلاب وتطبيق القوانين، مثل المادة 280 من قانون العقوبات وقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، الذي يحمي الأطفال من أي معاملة قاسية أو مهينة في المؤسسات التعليمية.

ورغم وجود هذه التشريعات، لم تفلح وزارة التعليم في فرض سيطرتها بشكل كامل في ظل توالي تلك الوقائع الصادمة، ويبقى المواطن الذي يتحمل أموالاً طائلة تحت سندان تعليم حكومي متدهور ومطرقة تعليم خاص موبوء بالعنف والاعتداء الجنسي والإهمال، في انتظار استيقاظ الحكومة لمواجهة الأزمة.

أضف تعليقك
شارك